
مروة الطائي
كل الحروب التي جرت وتجري في الوقت الحاضر هي حروب تدمير للقيم الإنسانية، وتدمير للمنظومة الاقتصادية، وتدمير للمنظومة السياسية. فهذه الحروب تؤثر في المجتمعات المتحاربة تأثيرًا واضحًا جدًا، فالشعوب هي من تدفع ضريبة هذه الحروب بدماء أبنائها. وهذا يختلف بحسب أيديولوجية الحروب من مكان إلى آخر.
الحرب الأمريكية الفيتنامية عندما حدثت، كان هناك اختلاف كبير بين فكر النظام الرأسمالي الأمريكي وفكر النظام الأيديولوجي في فيتنام. هذه الحرب قوّت فيتنام وجعلتها دولة متطورة وقوية ما بعد الحرب، في حين أن أمريكا خسرت هيبتها وقوتها بعد خسارتها لهذه الحرب. وإذا قارنا بين الدولتين، فإِن أمريكا أقوى اقتصاديًا وعسكريًا بكثير من فيتنام في كافة المجالات، وحتى الاستقرار السياسي في أمريكا فهو الأفضل، لكن أمريكا خسرت الحرب.
هذه التجربة، مع اختلاف المكان والزمان، تؤشر إلى أن القوة العسكرية وحدها ليست كافية للانتصار في الحرب، لأن فيتنام كانت تدافع عن أرضها وكرامتها وكيانها بين الأمم، فكان دافعها أقوى بكثير من أمريكا، لأن أمريكا هي من هاجمت فيتنام دون أن يكون لديها مبدأ واضح في الحرب.
ما يجري الآن من حرب بين إيران وأمريكا وإسرائيل.. لماذا هذه الحرب وما أسبابها؟
هل احتلت إيران جزءًا من أراضي أمريكا أو إسرائيل؟ بالتأكيد لا! أمريكا بعيدة جدًا، وهي في قارة غير آسيا وليس لها أي حدود برية أو بحرية مع إيران. لكن أطماع أمريكا تكمن في السيطرة على العالم، من أجل حرمان عدويها التقليديين روسيا والصين من منافع البترول والمنافع الاقتصادية، ومنعها من الهيمنة على هذه المنطقة ذات الأهمية الكبرى.
فيما يتعلق بإسرائيل، فإِن مشروعها واضح في الشرق الأوسط: مشروع “دولة إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، أي السيطرة على كافة دول الشرق الأوسط ودول الخليج، وجعل نفوذها قويًا جدًا. وهذا يصب في مصلحة أمريكا وإسرائيل.
ولكن المشروع الأمريكي والإسرائيلي اصطدم بإيران، لأن إيران دولة تعتمد على القوى الأيديولوجية وانتمائها إلى القومية الفارسية التي تؤمن إيمانًا مطلقًا بإزالة الوجود الإسرائيلي من الخارطة، وفق النهج والفكر الإسلامي.
العراق ملعب مفتوح على مصراعيه لكل هذه الدول المتحاربة، وهو الخاسر الأكبر في حال استمرار الحرب في الشرق الأوسط. فالعراق في الوقت الحاضر لا يزال تحت السيطرة والهيمنة الأمريكية، فهو غير مستقر في اتخاذ القرار السياسي والدفاع عن نفسه. ومع المشاكل الكبيرة بين الأحزاب الحاكمة في العراق التي تتصارع من أجل انتماءاتها الخارجية، دون أن يكون لها أي انتماء للعراق. والأزمة الأكبر من ذلك هي الفصائل المسلحة التي لا تلتزم بتوجيهات الحكومة العراقية، بل تعمل وفق انتماءاتها الأيديولوجية المرتبطة خارج العراق. وكل ما تقوم به من أعمال عسكرية داخل العراق يضعف من وضع العراق سياسيًا واقتصاديًا، ويزيد من عدم استقراره.
إن إنهاء الحرب وعدم إطالتها هو من مصلحة العراق، بل من مصلحته أن تنتهي الحرب بشكل أسرع، خاصة بعد أن مضى على هذه الحرب أكثر من ثلاثة أسابيع، وما زال التصعيد مستمرًا.
وبالنتيجة، لا يستطيع أي طرف أن يدعي الانتصار في هذه الحرب، لأنها حرب عدوانية وغير إنسانية، وبلا أهداف محددة. فكل المتحاربين خسروا في هذه الحرب، من تدمير لاقتصادهم ومدنهم، إلى قتل آلاف الأبرياء من كل الأطراف التي بات صوتها يرتفع عاليًا: أوقفوا مجازر الحرب، لأنها دمرت كل شيء، وأكثر ما دمرته هو الإنسان. نحن مع إيقاف الحرب الدامية من أجل مصلحة شعوب هذه المنطقة.


