في خضم التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما رافقه من قيود مشددة على الملاحة في مضيق هرمز، برز خلل بنيوي خطير في قطاع الطاقة العراقي لم يعد يقبل التأجيل. البلاد لا تمتلك أسطول ناقلات نفطية واحداً، وتعتمد بالكامل تقريباً على ناقلات مستأجرة ترفع أعلام دول أخرى.
وهذا العجز، الذي ظل لعقود خلف واجهة الإيرادات النفطية الضخمة، تحول فجأة إلى “مأزق حقيقي” كشف هشاشة استراتيجية الطاقة في بلد يصدّر أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، ويعتمد على النفط بنسبة تزيد عن 90% من موازنته العامة.
استثناء إيراني لا يمكن استخدامه
في خطوة لافتة، أعلنت إيران منذ بداية الحرب استثناء العراق من القيود المفروضة على مضيق هرمز، شرطاً واحداً: أن ترفع الناقلات العلم العراقي. لكن سرعان ما تبين أن هذا الشرط مستحيل التطبيق، ببساطة لأن العراق لا يملك أي ناقلة عملاقة قادرة على نقل النفط الخام الثقيل (VLCC) عبر المضيق.
وبعد إدراك طهران لهذا الواقع، اضطرت إلى توسيع الاستثناء ليشمل جميع السفن المرتبطة بالعراق، بغض النظر عن جنسيتها، محاولةً تجاوز الأزمة وضمان استمرار تدفق النفط العراقي إلى الأسواق. لكن هذه الخطوة، وفق مراقبين، لم تكن سوى كشفٍ صارخ لعجز بنيوي لا يمكن للاستثناءات المؤقتة أن تغطيه.
من 24 ناقلة إلى الصفر: تاريخ من التقهقر
يكشف الخبير النفطي، أن “شركة الناقلات النفطية العراقية” تأسست عام 1972، وكانت تمتلك أسطولاً يضم 24 ناقلة، قبل أن تتراجع بعد الحروب المتعاقبة، لتفقد البلاد هذا القطاع الحيوي بالكامل.
ويضيف أن الناقلات القليلة التي أُنشئت بعد عام 2003 كانت محدودة وصغيرة الحجم، لا تصلح لتصدير النفط الخام، واقتصر دورها على النقل الداخلي بين الموانئ ومنصات التحميل فقط. وبالتالي، ظل العراق رهينة شركات النقل العالمية، دون أي محاولة جادة من الحكومات المتعاقبة لبناء أسطول وطني.
صادرات بمليارات الدولارات تحت رحمة المضيق
يعتمد العراق بشكل رئيسي على أسواق شرق آسيا، حيث يصدر:
– نحو 800 ألف برميل يومياً إلى الصين.
– نحو 900 ألف برميل يومياً إلى الهند.
– كميات كبيرة إلى اليابان وكوريا الجنوبية.
هذا يعني أن أي اضطراب في الملاحة بمضيق هرمز يهدد مباشرة أكثر من نصف الصادرات النفطية العراقية. ومع تصاعد المخاطر الأمنية، قد ترفع شركات التأمين العالمية تكاليف تغطية الناقلات المؤجرة، مما يضع بغداد أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تقديم خصومات سعرية كبيرة للعملاء، أو خسارة حصص سوقية حيوية.
توقف الإنتاج وخروج الخبراء: سيناريو أسوأ
مع بداية الحرب الأخيرة، أوقف العراق تصدير النفط فور إغلاق مضيق هرمز، وأعلن حالة “القوة القاهرة” لحماية حقوقه التعاقدية. كما غادر الخبراء الأجانب الحقول النفطية خلال الأيام الأولى، واكتفى الإنتاج المحلي بالحد الأدنى لتلبية الحاجة من المشتقات النفطية فقط.
وهنا تبرز هشاشة أخرى: العراق لا يعتمد على إيران فقط في عبور نفطه، بل أيضاً في استيراد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء، إضافة إلى خطوط الربط الكهربائي مع المناطق الشرقية. بمعنى آخر، طهران تمسك بجانبين حيويين من اقتصاد العراق: التصدير والكهرباء.
دعوات لحل استراتيجي: 20 ناقلة لإنقاذ المستقبل
في ظل هذه المعطيات، يصف مراقبون للطاقة عدم امتلاك العراق ناقلات نفطية بأنه “تقصير حكومي متراكم على مدى عقدين”. ويرون أن الحل المؤقت الحالي (السماح بمرور بعض الناقلات بغض النظر عن علمها) لا يعدو كونه مسكن ألم.
أما الحل الاستراتيجي، فيكمن في توجه العراق لشراء أسطول وطني يصل إلى 20 ناقلة عملاقة، لضمان استقلالية قراره النفطي، وتجنب الرهان على استثناءات قد تختفي في أي لحظة.
لم يعد خياراً مؤجلاً
تكشف أزمة مضيق هرمز أن مشكلة العراق ليست في الحرب فقط، بل في بنية قطاع النفط نفسه، الذي ظل لسنوات معتمداً على أطراف خارجية في أهم حلقات سلسلة التصدير.
في ظل توترات إقليمية لن تنتهي قريباً، لم يعد امتلاك أسطول وطني من الناقلات رفاهية أو خياراً مؤجلاً، بل أصبح ضرورة استراتيجية قصوى، لتأمين المورد الوحيد للدولة، ومنع تكرار “المأزق الحقيقي” في كل أزمة مقبلة.



