- تقارير محلية وإقليمية

الحدود العراقية – السورية تحت المجهر الإلكتروني: هل تستعد بغداد لمواجهة تهديدات “ما بعد داعش”؟

في خطوة تعكس الأولويات الأمنية المتصاعدة للحكومة العراقية، عقدت قيادة العمليات المشتركة اجتماعاً أمنياً موسعاً خُصص لمناقشة واقع الحدود العراقية – السورية، في ظل تطورات إقليمية متسارعة واستمرار التحديات الأمنية الناجمة عن تنقل الجماعات المسلحة والنشاط المتزايد للميليشيات المدعومة إقليمياً على الجانب الآخر من الحدود. ويأتي هذا الاجتماع الذي ترأست أعلى المستويات العسكرية في البلاد، […]

في خطوة تعكس الأولويات الأمنية المتصاعدة للحكومة العراقية، عقدت قيادة العمليات المشتركة اجتماعاً أمنياً موسعاً خُصص لمناقشة واقع الحدود العراقية – السورية، في ظل تطورات إقليمية متسارعة واستمرار التحديات الأمنية الناجمة عن تنقل الجماعات المسلحة والنشاط المتزايد للميليشيات المدعومة إقليمياً على الجانب الآخر من الحدود. ويأتي هذا الاجتماع الذي ترأست أعلى المستويات العسكرية في البلاد، ليشير إلى تحول نوعي في مفهوم إدارة الحدود، من الاعتماد على القوة البشرية وحدها، إلى توظيف التكنولوجيا المتطورة كأداة رئيسية في معركة استباقية ضد التهديدات المحتملة.

تركيبة الاجتماع: حشد قيادي واستخباري رفيع

شهد الاجتماع المنعقد في مقر قيادة العمليات المشتركة حضوراً لافتاً للقيادات الأمنية والعسكرية العليا في الدولة، حيث ترأس الاجتماع رئيس أركان الجيش، بحضور نخبة من قادة الجيش العراقي، وممثلين عن هيئة الحشد الشعبي، وقائد قوات حرس الحدود، إضافة إلى مسؤولي جهاز الاستخبارات العسكرية. هذا التنوع في الحضور يعكس رؤية متكاملة لإدارة الحدود، تجمع بين المؤسسة العسكرية النظامية، وفصائل الحشد التي تمتلك خبرات ميدانية واسعة في المناطق المتاخمة للحدود، والأجهزة الاستخبارية التي تلعب دوراً محورياً في رصد التحركات المشبوهة.

التكنولوجيا في خدمة الأمن: الكاميرات الحرارية كخيار استراتيجي

ركز الاجتماع بشكل أساسي على موضوع بالغ الأهمية، تمثل في مناقشة فعالية الكاميرات الحرارية وتكنولوجيا المراقبة الحديثة المنتشرة على طول الشريط الحدودي مع سوريا. وشدد رئيس أركان الجيش على ضرورة المتابعة الدقيقة لآليات الرصد التكنولوجي، مع التأكيد على أهمية ضمان تغطية كاملة للثغرات المحتملة التي قد تستغلها الجماعات المسلحة للتسلل أو تهريب الأفراد والعتاد.

وتأتي هذه التوجيهات في سياق تحول استراتيجي في مفهوم الأمن الحدودي، حيث تدرك القيادة الأمنية العراقية أن الحدود الممتدة مع سوريا، والتي تشهد تضاريس وعرة ومنافذ غير شرعية متعددة، لا يمكن تأمينها بالكامل عبر الدوريات البشرية التقليدية، مما يستدعي الاعتماد على أنظمة مراقبة إلكترونية متطورة تعمل على مدار الساعة وتوفر صوراً حرارية دقيقة للتحركات الليلية والمناطق المغطاة بالضباب أو الغبار.

التأهب الإلكتروني: خط دفاع غير تقليدي

أحد أبرز محاور النقاش في الاجتماع كان رفع حالة “التأهب الأمني الإلكتروني”، وهو مصطلح يحمل دلالات عميقة في سياق الحرب الحديثة. فالتأهب الإلكتروني لا يعني فقط متابعة الشاشات والكاميرات، بل يمتد ليشمل تأمين شبكات الاتصالات العسكرية، وحماية أنظمة المراقبة من الاختراق أو التشويش، وضمان استمرارية تدفق المعلومات بين وحدات حرس الحدود والقيادات المركزية.

ويرى مراقبون أن التأكيد على الجانب الإلكتروني يعكس خشية عراقية من تطور تكتيكات الجماعات المسلحة، التي قد تمتلك قدرات على التعامل مع التكنولوجيا أو تلقي دعماً تقنياً من جهات خارجية، مما يستدعي تطوير دفاعات إلكترونية موازية للدفاعات التقليدية.

خارطة الانتشار: تنسيق مشترك بين القطعات

لم يقتصر النقاش في الاجتماع على الجوانب التقنية فحسب، بل امتد ليشمل مراجعة شاملة لخارطة انتشار القطعات العسكرية على طول الحدود. وناقش المجتمعون آليات التنسيق المشترك بين مختلف الصنوف العسكرية، من قوات المشاة إلى وحدات التدخل السريع، مروراً بفرق الاستطلاع والمراقبة، بهدف تحقيق تكامل عملياتي يضمن سرعة الاستجابة لأي طارئ أمني.

وتشير المعلومات إلى أن الاجتماع خلص إلى توصيات بإعادة توزيع بعض القطعات لسد ثغرات رصدتها الاستخبارات العسكرية، مع تعزيز نقاط الارتكاز في المناطق الأكثر خطورة، خصوصاً تلك القريبة من معاقل الجماعات المسلحة في الجانب السوري.

الدعم اللوجستي: تحديات التضاريس الوعرة

شكل ملف الدعم اللوجستي للمقاتلين المرابطين في المناطق الحدودية الوعرة محوراً آخر من محاور الاجتماع. فالتحديات التي تواجه القوات العراقية في هذه المناطق لا تقتصر على المخاطر الأمنية، بل تمتد إلى صعوبة الإمداد بالمياه والغذاء والذخيرة، خصوصاً في الفترات التي تشهد تقلبات جوية قاسية أو تصعيداً أمنياً يمنع وصول قوافل الإمداد.

وأكد رئيس أركان الجيش على ضرورة توفير كل متطلبات الدعم اللوجستي للمقاتلين، باعتبار أن جاهزيتهم القتالية ومعنوياتهم المرتفعة تمثلان عنصراً حاسماً في نجاح أي خطة أمنية، خصوصاً في ظروف المناوبة الطويلة والانقطاع عن المراكز الحضرية.

استقرار الحدود: خط الدفاع الأول

في ختام الاجتماع، شدد القائد العسكري الأعلى على أن “استقرار الحدود يمثل خط الدفاع الأول عن أمن الوطن”، في عبارة اختزلت فلسفة الأمن الوطني العراقي الذي بات يدرك أن التهديدات الخارجية يمكن أن تتحول إلى واقع داخلي خلال ساعات إذا ما انهارت المنظومة الحدودية.

وتكتسب هذه المقولة أهمية خاصة في ضوء التجارب المريرة التي مر بها العراق، حيث شكلت الحدود الممتدة مع سوريا بوابة رئيسية لدخول تنظيم “داعش” عام 2014، وفي السنوات اللاحقة كانت ممراً لعبور المقاتلين والسلاح في الاتجاهين، مما جعل تأمينها أولوية وجودية للدولة العراقية.

التحديات الإقليمية: الجانب السوري كعامل ضغط

لا يمكن فهم التحركات العراقية لتعزيز الأمن الحدودي بمعزل عن التطورات الدراماتيكية على الجانب السوري. فمع تصاعد النفوذ التركي في الشمال السوري، والانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف، يجد العراق نفسه محاطاً بمنظومة معقدة من المصالح والصراعات التي تنعكس مباشرة على حدوده.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن بغداد تتلقى معلومات استخبارية متزايدة عن محاولات تنظيم “داعش” إعادة بناء صفوفه في البادية السورية، مستغلاً الفراغ الأمني والانشغال الدولي بأزمات أخرى. كما أن هناك مخاوف من انتقال عدوى الاقتتال بين الفصائل المسلحة في سوريا إلى الأراضي العراقية، خصوصاً في المناطق التي تتواجد فيها فصائل عراقية على الجانب الآخر.

دلالات التوقيت: لماذا الآن؟

يثير توقيت هذا الاجتماع الأمني الموسع تساؤلات حول خلفياته ودوافعه. فمع دخول المنطقة مرحلة جديدة من التوازنات بعد التطورات في سوريا، وتزامناً مع تصاعد الحديث عن احتمال انسحاب أميركي من بعض المواقع، وتزايد النشاط الإسرائيلي في العمق السوري، يبدو أن العراق يستعد لمرحلة قد يترك فيها وحيداً لمواجهة التهديدات على حدوده الغربية.

كما أن الحديث عن “التأهب الإلكتروني” قد يكون مرتبطاً بمعطيات استخبارية عن محاولات اختراق إلكتروني لأنظمة المراقبة العراقية، أو محاولات تشويش على الاتصالات العسكرية في المناطق الحدودية، مما استدعى رفع مستوى الجاهزية في هذا المجال الحيوي.

يمثل الاجتماع الأمني الأخير تتويجاً لجهود عراقية متواصلة لتحويل الحدود مع سوريا من منطقة توتر واختراق إلى خط دفاع منيع. وبين طموحات القيادة العراقية في تأمين كامل الشريط الحدودي بأحدث التقنيات، وواقع التحديات المتمثلة في طول الحدود ووعورتها وتعقيدات المشهد الإقليمي، تبقى المعادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة.

ما يحدث اليوم على الحدود الغربية للعراق هو جزء من معركة أوسع لاستكمال استعادة السيادة الكاملة على الأرض، ومعركة موازية ضد الزمن والتحديات المتجددة. فهل تنجح التكنولوجيا والتنسيق المشترك والدعم اللوجستي في تحقيق ما عجزت عنه العقود السابقة؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026