في خطوة وصفتها الحكومة العراقية بأنها “شجاعة” و”مسؤولة” لإنهاء ملف مخيم الهول السوري، أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين عن مواصلة نقل العوائل العراقية العائدة من المخيم إلى مركز التأهيل المجتمعي (آمال) في مخيم الجدعة، جنوب الموصل. غير أن هذه الخطة، التي تهدف إلى إعادة تأهيل أسر عناصر تنظيم داعش قبل دمجهم مجددًا في المجتمع، أثارت موجة من القلق والاستياء الواسع بين أهالي نينوى، الذين يعتبرون المخيم “قنبلة موقوتة” قد تعيد إحياء الفكر المتطرف في المدينة التي دفعت ثمنًا باهظًا خلال سنوات سيطرة التنظيم. يستعرض هذا التقرير أبعاد الخطة الحكومية، والنتائج الأولية لبرامج إعادة التأهيل، والمخاوف المحلية، في ضوء التطورات الأمنية المتسارعة على الحدود السورية – العراقية.
أولاً: الخطة الحكومية: الأهداف والآليات
أوضح المتحدث الرسمي باسم وزارة الهجرة والمهجرين، علي عباس جهاكير، أن الخطة تهدف إلى تأهيل الأسر العائدة عبر تطوير المهارات الحياتية والمهنية، وتعزيز القدرات الاجتماعية، إضافة إلى رصد أصحاب المهارات الخاصة لتأهيلهم للعمل داخل المخيم، بما يسهم في تحسين مستوى المعيشة والاندماج التدريجي لهذه الأسر.
وأضاف جهاكير أن الوزارة ركزت خلال الفترة الماضية على التأهيل النفسي واستمرار برامج تطوير الذات، مع تكثيف الأنشطة الوطنية لمكافحة التطرف العنيف، بالتعاون مع الجهات المعنية، لضمان محاربة الأفكار المتطرفة ودمج الأسر بمسارات مدروسة.
معلومات إضافية هامة:
– المركزية الدولية: يعمل في مخيم الجدعة 11 منظمة دولية إلى جانب وزارة الصحة العراقية، تشرف على برامج التأهيل النفسي والاجتماعي والطبي.
– **أعداد العائدين: كشفت الوزارة عن إعادة حوالي 20 ألف عراقي من مخيم الهول حتى فبراير 2026، موزعين على 32 دفعة، حيث تمت إعادة أكثر من 16 ألف شخص منهم إلى مناطقهم الأصلية بعد استكمال برامج التأهيل.
– نتائج إيجابية: أكد وكيل الوزارة كريم النوري أن العائدين خضعوا لتدقيق أمني صارم، وأنه “لم تُسجل أي خروقات أمنية” بين العائدين الذين تم دمجهم في المجتمع، نافيًا وجود أي قضايا إرهابية عائدة للمخيم.
ثانيًا: مخاوف المجتمع المحلي في الموصل
على الصعيد المحلي، عبّر أهالي الموصل عن مخاوفهم من نقل عوائل داعش إلى المخيم، معتبرين أن الخطوة تمثل تهديدًا للسلم المجتمعي. ويصف مراقبون المخيم بأنه “قنبلة موقوتة قد تعيد الإرهاب إلى المدينة”، خاصة أن بعض الأطفال والشباب ترعرعوا وسط أفكار متطرفة. ويرى سياسيون وأكاديميون من المنطقة أن دمج هؤلاء القادمين يحتاج إلى برامج إعادة تأهيل مدروسة بدقة لضمان إزالة أي أثر للتطرف، محذرين من أن أهالي الموصل لن يسمحوا بعودة الإرهاب إلى مدينتهم.
وتُظهر التقارير الميدانية أن عملية الإعادة تواجه مقاومة محلية، خاصة في نينوى، التي عانت خسائر فادحة خلال سيطرة داعش.
ثالثًا: مستجدات إقليمية ودولية تؤثر على الملف
1. انهيار الأمن في مخيم الهول وسيطرة الحكومة السورية
شهد مطلع عام 2026 تطورًا دراماتيكيًا تمثل في سيطرة قوات الحكومة السورية الجديدة على مخيم الهول بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 20 يناير 2026. وأدى هذا الانتقال الفوضوي إلى انهيار الخدمات الأمنية في المخيم، مما تسبب في فرار آلاف النزلاء، في حادثة وصفتها مذكرة داخلية للاتحاد الأوروبي بأنها تثير “مخاوف أمنية خطيرة” بشأن إمكانية استغلال الهاربين من قبل الجماعات الإرهابية.
2. خطة سورية لنقل النازحين
أعلنت الحكومة السورية عن خطة لنقل العوائل المتبقية من مخيم الهول إلى مخيم آخر في مدينة أخترين بريف حلب الشمالي، حيث نُقلت أول دفعة مكونة من 100 عائلة في 17 فبراير 2026، على أن يستقبل المخيم الجديد نحو 1500 عائلة. ويُقدر عدد المتبقين في الهول بحوالي 6,000 سوري و 2,000 عراقي.
3. نقل معتقلي داعش إلى العراق
في سياق متصل، وافقت الحكومة العراقية على استقبال ونقل نحو9,000 معتقل من عناصر داعش من سجون سوريا، في صفقة توسطت فيها الولايات المتحدة، لمحاكمتهم أمام القضاء العراقي. وقد نقل التحالف الدولي 275 معتقلاً دفعة أولى جواً إلى العراق، في عملية وصفها مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي بأنها تأتي ضمن رؤية شاملة لملء أي فراغ أمني ومعالجة الملف كأولوية إنسانية وأمنية.
4. المبادرة العراقية تشجع دول العالم
أكدت وزارة الهجرة أن الخطوة العراقية الاستباقية في إعادة مواطنيها شجعت دولًا أوروبية على سحب رعاياها من المخيم، بعد أن كان ملف هؤلاء العالقين يشكل عقدة سياسية وقانونية لتلك الدول.
رابعًا: مخيم الجدعة: الأرقام والواقع
يُعد مخيم الجدعة مركزًا رئيسيًا لإعادة تأهيل الأسر العائدة من مخيم الهول، حيث بدأ العمل فيه منذ حزيران/يونيو 2021. ويُقدّر عدد السكان الحاليين بنحو **35 ألف شخص**، أغلبهم نساء وأطفال، بعد أن شهد مخيم الهول في ذروته عام 2019 نحو 73 ألف شخص. وتُظهر الأرقام الرسمية وجود أقل من 100 عائلة عراقية متبقية في الهول بانتظار نقلها في الدفعة الأخيرة.
يُمثل ملف عودة عوائل داعش من مخيم الهول اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحكومة العراقية على الموازنة بين الالتزامات الإنسانية ومتطلبات الأمن الوطني. وبينما تُظهر المؤشرات الأولية نجاح برامج التأهيل في الجدعة وعدم تسجيل خروقات أمنية، تبقى المخاوف المجتمعية في الموصل حاضرة بقوة، خاصة في ظل وجود نحو 7,000 معتقل من داعش سيتم نقلهم إلى العراق.
ويبقى السؤال المطروح: هل تستطيع الحكومة طمأنة أهالي الموصل عبر برامج تأهيل شفافة وفعالة، أم أن المخاوف من عودة الفكر المتطرف ستتحول إلى أزمة ثقة تعقّد جهود المصالحة المجتمعية في محافظة كانت مسرحًا لأبشع انتهاكات التنظيم؟



