- تقارير دولية

في عملية “زئير الأسد”.. موقف الحكومة والفصائل العراقية وتداعيات إغلاق مضيق هرمز

شهدت الساحة العراقية والإقليمية، اليوم السبت، تطورات متسارعة وغير مسبوقة، تمثلت في إعلان ثلاثة فصائل مسلحة عراقية بارزة انخراطها رسمياً في المواجهة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في تصعيد خطير ينذر باتساع رقعة الحرب في المنطقة. ويأتي هذا الإعلان بعد سلسلة من الغارات الجوية التي نفذتها القوات الأمريكية على مواقع تابعة لهذه الفصائل، […]

شهدت الساحة العراقية والإقليمية، اليوم السبت، تطورات متسارعة وغير مسبوقة، تمثلت في إعلان ثلاثة فصائل مسلحة عراقية بارزة انخراطها رسمياً في المواجهة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وذلك في تصعيد خطير ينذر باتساع رقعة الحرب في المنطقة. ويأتي هذا الإعلان بعد سلسلة من الغارات الجوية التي نفذتها القوات الأمريكية على مواقع تابعة لهذه الفصائل، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار في العراق والمنطقة، خاصة في ضوء إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي.

أولاً: إعلان الفصائل العراقية الانخراط في المواجهة

في خطوات متسارعة ومتزامنة، أصدرت ثلاثة فصائل مسلحة عراقية بيانات منفصلة أعلنت فيها رسمياً بدء عملياتها العسكرية ضد القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة:

1.  كتائب حزب الله: أعلنت في بيان مقتضب عزمها “مهاجمة القواعد الأمريكية قريباً رداً على اعتدائهم”، في إشارة إلى الغارات التي استهدفت مواقعها.

2.  حركة النجباء: تبعتها حركة النجباء بإعلان رسمي عبر قادتها العسكريين عن انخراطها المباشر في المواجهة.

3.  كتائب سيد الشهداء: أعلنت هي الأخرى الدخول في الحرب واستهداف القواعد الأمريكية.

وأشارت معلومات وردت عبر وسائل إعلام مقربة من هذه الفصائل إلى أن أهداف العمليات القادمة لن تقتصر على القواعد العسكرية فحسب، بل ستشمل المصالح الأمريكية الحيوية في العراق، وعلى رأسها شركة “شيفرون” النفطية العاملة في تطوير حقل غرب القرنة بمحافظة البصرة.

ثانياً: السياق العسكري للتصعيد

يأتي هذا الإعلان كرد فعل مباشر على استهداف الولايات المتحدة موقعاً لكتائب حزب الله في منطقة جرف النصر بمحافظة بابل، والذي أسفر عن سقوط ضحايا. ويتزامن هذا التصعيد مع بدء الولايات المتحدة وإسرائيل ما وصفته الفصائل والمصادر الإيرانية بـ”حرب شاملة” ضد إيران، شملت استهداف مواقع عسكرية وصاروخية ومنازل قيادات إيرانية، فيما ردت طهران بإطلاق صواريخ على القواعد الأمريكية في المنطقة وقاعدة أربيل في إقليم كردستان العراق.

ثالثاً: الموقف الرسمي العراقي بين الإدانة والحرج

في تطور يعكس حجم المأزق الذي تواجهه بغداد، أعربت وزارة الخارجية العراقية عن إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداءات التي استهدفت مناطق وسط البلاد وإقليم كردستان. وحذرت الوزارة في بيان رسمي من أن “الغرض من هذه الاعتداءات هو دفع العراق إلى أتون الحرب الدائرة في المنطقة”، مؤكدةً تمسكها بسياسة رفض الحروب والإيمان بحل النزاعات عبر المفاوضات.

وأشار البيان إلى الدور العراقي السابق في دعم المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، معربة عن تضامنها مع دول الخليج العربي ورفضها لأي هجمات تطالها. ويأتي هذا الموقف ليكشف عن تناقض حاد بين السياسة الرسمية للحكومة العراقية التي كانت قد أعلنت نهاية عام 2025 عن تسليم سلاح الفصائل وبدء هدنة شاملة مع القوات الأمريكية، وبين الواقع الميداني الذي تشهده الساحة العراقية حالياً.

رابعاً: تداعيات إقليمية كبرى: إغلاق مضيق هرمز

في تصعيد غير مسبوق له تداعيات اقتصادية وأمنية عالمية، أعلن الحرس الثوري الإيراني، اليوم السبت، إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية الدولية “حتى إشعار آخر”. وجاء القرار على لسان قيادي في الحرس الثوري، مؤكداً أن الإجراء دخل حيز التنفيذ الفوري، ويشمل منع عبور أي ناقلة نفط عبر المضيق.

الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز:

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم، حيث يمر عبره نحو 20% من إجمالي إمدادات النفط العالمية يومياً، مما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة به مؤثراً مباشراً على أسعار الطاقة العالمية واستقرار الأسواق.

وأفادت وكالة “رويترز” للأنباء بأن السفن المارة في المنطقة تلقت بلاغات وتحذيرات متكررة عبر الترددات اللاسلكية من الجانب الإيراني بمنع العبور، في خطوة تنذر بأزمة طاقة كبرى.

خامساً: الموقف الإيراني الرسمي

في سياق متصل، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في رسالة رسمية وجهها إلى الأمم المتحدة، أن “جميع القواعد والمنشآت والأصول الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة تُعد أهدافاً عسكرية مشروعة”. وشدد عراقجي على أن طهران “تمارس حقها الأصيل والقانوني في الدفاع عن النفس بموجب ميثاق الأمم المتحدة”، متوعداً بمواصلة هذا الحق “حتى يتوقف العدوان”.

يمثل هذا التصعيد المفاجئ منعطفاً خطيراً في الصراع الإقليمي، وذلك للأسباب التالية:

1.  انتهاء الهدنة الضمنية: يُعلن انخراط الفصائل المسلحة رسمياً في الحرب، عن انهيار اتفاق الهدنة غير المعلن الذي سعت إليه الحكومة العراقية، مما يعيد العراق إلى مربع الصراع كساحة رئيسية للتصعيد.

2.  تدويل الأزمة: يؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى تحويل الصراع من مواجهة عسكرية محدودة إلى أزمة اقتصادية عالمية، مما قد يدفع قوى دولية كبرى للتدخل لحماية مصالحها.

3.  إرباك المشهد العراقي: يضع هذا التطور الحكومة العراقية في موقف بالغ الحرج بين التزاماتها الدولية ووعودها بنزع سلاح الفصائل من جهة، وبين الضغوط الشعبية والسياسية الداخلية من جهة أخرى.

ختاماً، تشير جميع المؤشرات إلى دخول المنطقة مرحلة جديدة وخطيرة من المواجهة المفتوحة، مع غياب أي بوادر لتهدئة قريبة في الأفق. ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الدبلوماسية الدولية احتواء هذا التصعيد قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة بشكل كامل؟

والجدير ذكره أنه تم إطلاق تسمية “زئير الأسد” على العملية الأمريكية على إيران. حيث اسم العملية في العمليات العسكرية الكبرى نادرًا ما يكون عشوائيًا، بل يحمل دلالات استراتيجية ونفسية عميقة. عملية “زئير الأسد” التي أطلقتها إسرائيل (بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي أطلقت عليها اسم “الغضب الملحمي”) تحمل أبعادًا متعددة يمكن تفصيلها كالآتي:

١. الأهداف الاستراتيجية المعلنة للعملية

قبل تحليل الاسم، من المهم فهم أهداف الهجوم نفسه، والتي صرح بها المسؤولون الإسرائيليون، لأن الاسم يعكس هذه الأهداف:

–  إسقاط النظام: الهدف المعلن من العملية، وفق تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وغيره من المسؤولين، لم يقتصر على ضرب منشآت عسكرية، بل امتد ليشمل “تهيئة الظروف اللازمة للشعب الإيراني الشجاع ليأخذ مصيره بين يديه”. وهذا يشير صراحة إلى السعي لتغيير النظام في إيران.

–   تحييد التهديد الوجودي: وصفت إسرائيل العملية بأنها ضرورية لإزالة “التهديد الوجودي” الذي يشكله البرنامج النووي الإيراني والقدرات الصاروخية الباليستية.

–  استهداف رأس الهرم: ركزت الضربات على مواقع استراتيجية في طهران ومناطق أخرى، واستهدفت قيادات عسكرية وسياسية عليا، في محاولة لضرب مراكز القرار والقوة في النظام.

٢. لماذا “زئير الأسد”؟ الدلالات الرمزية والدينية

يكمن سبب التسمية في المزاوجة بين الرمزية الدينية التوراتية والرسالة العسكرية:

–   الرمزية التوراتية لقبيلة يهوذا: يشير محللون إلى أن اسم “زئير الأسد” مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالرمزية التاريخية والدينية لقبيلة “يهوذا”، التي تعد الأقوى بين أبناء إسرائيل وفقًا للتوراة، ويحمل رمزها التقليدي “الأسد”. اختيار هذا الاسم يهدف إلى إضفاء شرعية دينية وتاريخية على العملية، وتعبئة الجمهور الإسرائيلي من خلال استحضار موروث يعزز فكرة “القوة المقدسة” والدفاع الوجودي.

–   من “درع يهودا” إلى “زئير الأسد”: تشير التقارير إلى أن الاسم الأولي للعملية كان “درع يهودا”، وهو اسم ذو طابع دفاعي. لكن تم استبداله بـ “زئير الأسد” ليعطي انطباعًا هجوميًا أكثر وضوحًا. فالـ “زئير” يوحي بالقوة والهيبة والسيطرة وإثبات الوجود في الميدان، وهو ما يتناسب مع حجم الهجوم المشترك مع الولايات المتحدة وأهدافه الطموحة.

–   تحويل الصراع إلى معركة وجودية: توظيف هذه المصطلحات ذات الأبعاد الدينية يعمل كغطاء دعائي لتحويل المواجهة السياسية والعسكرية مع إيران إلى صراع مصيري، مما يضمن أعلى درجات الالتفاف الشعبي خلف القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل.

٣. الأبعاد التكتيكية والعسكرية

الاسم يعكس أيضًا طبيعة العملية على الأرض:

–   هجوم متعدد المراحل: وصفت العملية بأنها الأعقد من نوعها، وتم التخطيط لها منذ أشهر. بدأت بضربة إسرائيلية استهدفت الدفاعات الجوية الإيرانية، تلتها مرحلة ثانية دخلت فيها الولايات المتحدة بثقلها العسكري الكامل لتوسيع نطاق الضربات.

–  رسالة قوة مشتركة: أرادت إسرائيل من خلال هذا الاسم إظهار أن الهجوم ليس مجرد غارة، بل “زئير” قوة عظمى (الولايات المتحدة) تتحرك بكامل ثقلها إلى جانبها، مما يضفي شرعية وردعًا إضافيين. كما ذكر نتنياهو صراحة: “معًا سنصمد، معًا سنقاتل”.

إن تسمية الهجوم بـ “زئير الأسد” هي محاولة متعمدة للجمع بين الشرعية الدينية (الموروث التوراتي) و القوة العسكرية الهجومية، بهدف تحقيق هدف استراتيجي غير مسبوق هو تغيير النظام في إيران. الاسم يحمل في طياته وعدًا بالقوة الحاسمة (الزئير) التي تهدف إلى إسقاط الخصم، وهو ما يتوافق مع التصريحات الرسمية الإسرائيلية التي تحدثت عن “فرصة تاريخية” للشعب الإيراني.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026