- تقارير دولية

مضيق هرمز.. تداعيات الإغلاق على العراق والاقتصاد الدولي

في تطور غير مسبوق يعيد رسم ملامح أمن الطاقة العالمي، أعلنت إيران تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الشريان البحري الأكثر حيوية في العالم، وذلك في سياق التصعيد العسكري الدائر مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويأتي هذا الإغلاق ليفاقم أزمة طاقة كبرى تهدد بتداعيات كارثية على اقتصادات الدول المعتمدة على نفط الخليج، وفي مقدمتها العراق الذي […]

في تطور غير مسبوق يعيد رسم ملامح أمن الطاقة العالمي، أعلنت إيران تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز، الشريان البحري الأكثر حيوية في العالم، وذلك في سياق التصعيد العسكري الدائر مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ويأتي هذا الإغلاق ليفاقم أزمة طاقة كبرى تهدد بتداعيات كارثية على اقتصادات الدول المعتمدة على نفط الخليج، وفي مقدمتها العراق الذي يجد أكثر من 94% من صادراته النفطية رهينة لهذا الممر الضيق.

أولاً: مضيق هرمز.. الممر الذي يتحكم بإمدادات الطاقة العالمية

يقع مضيق هرمز بين سواحل إيران شمالاً وسلطنة عمان جنوباً، ليشكل المنفذ البحري الوحيد للخروج من الخليج العربي. يبلغ عرض المضيق عند أضيق نقطة حوالي 33 كيلومتراً فقط، فيما لا يتجاوز عرض ممرّي الملاحة الفعليين 3 كيلومترات في كل اتجاه.

يمر عبر هذا المضيق نحو 20% من إمدادات النفط الخام العالمية، وحوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال. وتشير التقديرات إلى أن كمية النفط الخام والمنتجات المكررة التي عبرت المضيق خلال عام 2024 بلغت نحو 20 مليون برميل يومياً، معظمها متجه إلى الأسواق الآسيوية.

ثانياً: العراق في مرمى الأزمة.. انهيار الصادرات وتهديد الإيرادات

يمثل النفط الخام العمود الفقري للاقتصاد العراقي، إذ تشكل صادراته حوالي 90% من الإيرادات العامة للدولة. وقبل اندلاع الأزمة، كان العراق يصدر نحو 3.3 ملايين برميل يومياً عبر الموانئ الجنوبية التي تعتمد بالكامل على مضيق هرمز كمنفذ وحيد للوصول إلى الأسواق العالمية.

مع إغلاق المضيق، انهارت الصادرات النفطية العراقية بشكل دراماتيكي، حيث انخفض الإنتاج إلى حوالي 1.3 مليون برميل يومياً، أي بانخفاض يتجاوز 60% عن مستويات ما قبل الحرب. وهذا يعني تراجع الإيرادات الشهرية للعراق من نحو 7 مليارات دولار إلى أقل من مليار دولار.

لم يقتصر الضرر على تعطل الملاحة فحسب، بل طالت الهجمات البنية التحتية النفطية نفسها، حيث تعرضت مناطق نفطية في البصرة ودهوك لهجمات بطائرات مسيرة.

ثالثاً: انهيار حركة الملاحة وأسعار النفط

تكشف بيانات الاستخبارات البحرية عن تراجع كارثي في حركة الملاحة عبر المضيق. فقبل اندلاع النزاع في 28 فبراير، كان يعبر المضيق يومياً ما معدله 153 سفينة، لكن الأرقام انهارت بعد ذلك إلى 7 سفن فقط في 6 مارس، ثم إلى 3 سفن في الأيام اللاحقة.

لم تنتظر أسواق النفط طويلاً لتعكس حجم الكارثة. فخلال الأسبوع الأول من الحرب، قفزت أسعار النفط من 71 دولاراً للبرميل إلى ما يقرب من 120 دولاراً، مع تحذيرات إيرانية من احتمال وصول الأسعار إلى 200 دولار للبرميل إذا استمر التصعيد.

كما قفزت أسعار الغاز الطبيعي في آسيا وأوروبا بنسبة 54% و63% على التوالي، فيما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه “أكبر اضطراب في إمدادات النفط في التاريخ”، متوقعة تراجع المعروض العالمي بمقدار 8 ملايين برميل يومياً.

رابعاً: بدائل تصدير النفط.. حلول جزئية وتحديات كبيرة

في مواجهة هذه الكارثة، تسعى الحكومة العراقية إلى تفعيل خط أنابيب كركوك – جيهان الذي يربط حقول شمال العراق بميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، على أمل استئناف التصدير عبره لنحو 200 ألف برميل يومياً.

على المستوى الإقليمي، برز خط أنابيب النفط السعودي شرق-غرب، وخط أنابيب أبو ظبي الخام، كخيارات محتملة لنقل النفط عبر البحر الأحمر. لكن هذه الخطوط لا يمكنها تعويض مضيق هرمز، فالخط السعودي ينقل فقط 4.5 ملايين برميل يومياً، أي ربع الكمية التي كانت تمر عبر المضيق.

خامساً: التأمين البحري.. قفزة مرتقبة في التكاليف

مع تصاعد التوترات، بدأت شركات التأمين البحري في إعادة تقييم المخاطر بشكل جذري. فقد ارتفعت أقساط التأمين على مخاطر الحرب بنسبة تصل إلى 50%، حيث قد ترتفع تكلفة تأمين سفينة بقيمة 100 مليون دولار من 250 ألف دولار إلى 375 ألف دولار للرحلة الواحدة.

وفي خطوة غير مسبوقة، أعلن الرئيس الأميركي عن توفير تأمين ضد المخاطر السياسية للتجارة البحرية، وعرض استخدام البحرية الأميركية لمرافقة السفن التجارية عبر المضيق.

المنطقة على فوهة بركان

يقف مضيق هرمز اليوم في قلب عاصفة كبرى قد تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية. فالعراق، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على إيراداته النفطية، يجد نفسه في موقف بالغ الصعوبة، مع بدائل محدودة لا يمكنها تعويض الكميات الهائلة التي كانت تصدر عبر الخليج.

على المستوى العالمي، تتجه الأسواق نحو مرحلة من التقلبات الحادة، حيث قد لا تكون المخزونات الاستراتيجية كافية لتعويض نقص 8 ملايين برميل يومياً لفترة طويلة، مما ينذر بصدمة تضخمية قد تدفع بالعالم نحو ركود اقتصادي جديد.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026