- رأي ومقالات

وسائل التواصل: من نافذة على العالم إلى أفيون العصر

أحمد عز الدين قال كارل ماركس ذات مرة إن الدين هو أفيون الشعوب، في إشارة إلى دوره في تخفيف الآلام الناتجة عن الظلم الاجتماعي عبر الترويج للتسليم بواقع لا يمكن تغييره. لكن لو عاش ماركس اليوم، لربما أعاد صياغة مقولته ليصف بها منصات التواصل الاجتماعي. فما كان في بدايته أداة للتواصل والمعرفة، تحول إلى إدمان […]

أحمد عز الدين

قال كارل ماركس ذات مرة إن الدين هو أفيون الشعوب، في إشارة إلى دوره في تخفيف الآلام الناتجة عن الظلم الاجتماعي عبر الترويج للتسليم بواقع لا يمكن تغييره. لكن لو عاش ماركس اليوم، لربما أعاد صياغة مقولته ليصف بها منصات التواصل الاجتماعي. فما كان في بدايته أداة للتواصل والمعرفة، تحول إلى إدمان جماعي، وأصبح الأفيون الجديد الذي يُخدر العقول، ويسلب الإرادة، ويستنزف الوقت، خاصة لدى فئة الشباب.

إن الإدمان على وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد عادة يومية، بل تحول إلى حالة من التعلق المرضي. يبدأ اليوم بفتح تطبيق “إنستغرام” أو “تيك توك” قبل النهوض من السرير، وينتهي بآخر تمريرة قبل إغلاق العينين. في الفراغ بينهما، تُستهلك ساعات ثمينة في متاهة من المحتوى السطحي، والمقارنات الاجتماعية، والبحث المتواصل عن الإعجاب والتقدير.

هذا الإدمان ليس مجرد إهدار للوقت؛ إنه إعادة برمجة للدماغ. فكل إشعار، وكل إعجاب، وكل تعليق، يمنح جرعة صغيرة من الدوبامين، هرمون المتعة، مما يخلق دائرة إدمانية تشبه تلك التي تسببها المواد المخدرة. التطبيقات مصممة من قبل خبراء في علم النفس السلوكي خصيصًا لتبقينا أسرى للشاشة لأطول فترة ممكنة، ليس بهدف إسعادنا، بل بهدف تسويق انتباهنا كسلعة لمعلنيها.

النتيجة هي جيل يعاني من القلق المزمن، واضطرابات النوم، وضعف التركيز، وهشاشة العلاقات الواقعية. الشباب اليوم قد يقضون ساعات في متابعة حياة الآخرين بينما تعاني حياتهم الشخصية من الإهمال. يبحثون عن المعنى في صورة عابرة أو منشور عابر، متناسين أن الحياة الحقيقية لا تحدث داخل الإطار الأزرق لشاشة الهاتف.

فكيف يمكن للشباب تحرير أنفسهم من هذا الأفيون الرقمي؟

الخطوة الأولى هي “الوعي” الحقيقي بفداحة المشكلة. ليس الوعي السطحي، بل الإدراك بأن هذه التطبيقات ليست مصممة لخدمتنا، بل لاستعباد انتباهنا. عندما يدرك الشاب أنه يُستغل كمنتج وليس كمستخدم، تبدأ رحلة التحرر.

ثانيًا، “القطع المؤقت والتدريجي”. لا يحتاج الأمر إلى التخلي عن الهاتف نهائيًا، بل إلى فرض سيادة الإرادة على التطبيقات. يمكن البدء بـ “صيام رقمي” لساعات محددة من اليوم، مثل ساعات الصباح الأولى أو قبل النوم. استخدام أدوات التحكم في الوقت داخل التطبيقات، وإلغاء الإشعارات غير الضرورية، هي خطوات عملية تحد من قدرة هذه المواقع على استدعائنا باستمرار.

ثالثًا، “استبدال الفراغ بفعل هادف”. الإدمان يزدهر في الفراغ. لذلك، يجب على الشباب إعادة اكتشاف متعة الأنشطة الحقيقية: قراءة كتاب يتطلب تركيزًا، ممارسة رياضة تمنح الصحة، تعلم مهارة جديدة تضيف قيمة، أو حتى الجلوس مع العائلة دون مقاطعة الهواتف. هذه الأنشطة تعيد للدماغ توازنه الكيميائي الطبيعي، بعيدًا عن سباق الدوبامين الاصطناعي.

رابعًا، “إعادة تعريف العلاقة مع التكنولوجيا”. لا يعني التحرر العودة إلى الكهوف، بل استخدام التكنولوجيا كأداة وليس كغاية. البقاء على تواصل مع الأصدقاء الحقيقيين، واستخدام المنصات للتعلم والإنتاج بدلًا من الاستهلاك السلبي، هو ما يحول العلاقة من إدمان إلى استخدام رشيد.

في النهاية، إن وسائل التواصل الاجتماعي ليست شرًا مطلقًا، لكنها أصبحت فعلًا الأفيون الجديد الذي يسرق أحلام الشباب ووقتهم وإرادتهم. التحرر منها ليس رفاهية، بل ضرورة لاستعادة السيادة على الذات. إنه قرار واعٍ باستبدال حياة زائفة تعيش في الشاشات، بحياة حقيقية تعاش بأنفاسنا وأفعالنا وعلاقاتنا. فمن كان الدين في الماضي أفيونًا للشعوب، فإن الشاشة اليوم هي الأفيون الأقوى، ولكن الفارق أن مفعول هذا الأفيون لا ينتهي بوعود الآخرة، بل بضياع الحاضر.

وعليه يجب على الشباب أن يعي أن بناء المستقبل يقع على عاتقهم هم وليس إعادة تكرار الماضي والاعتماد على الآباء والأجداد لرسم المستقبل. وللخروج من هذه القوقعة ينبغي على الشباب/ات أن يقوموا على زيادة الوعي وعدم القبول بما هو موجود أو بما يتم تقديمه لهم على أنه من المسلمات، بل عليهم رسم مستقبلهم الذي سيكون عنواناً لحياة حرة أم خضوع وتكرار للماضي والاستسلام للتكنولوجيا على أنها السلاح الذي لا يمكن الاستغناء عنه أو مقاومته.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026