• Home  
  • واشنطن والحشد الشعبي.. كيف تحول العراق إلى ساحة حرب مكشوفة؟
- تقارير محلية وإقليمية

واشنطن والحشد الشعبي.. كيف تحول العراق إلى ساحة حرب مكشوفة؟

في غضون أسابيع قليلة، تحول العراق من بلد يرزح تحت أزمات سياسية واقتصادية متراكمة، إلى ساحة ساخنة لمواجهة عسكرية مكشوفة بين الولايات المتحدة وفصائل مسلحة موالية لإيران. ضربات جوية أميركية متكررة تستهدف مقرات الحشد الشعبي، ورسائل دبلوماسية حادة، وصمت حكومي رسمي مريب.. كلها خيوط تقود إلى استراتيجية أميركية جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في […]

في غضون أسابيع قليلة، تحول العراق من بلد يرزح تحت أزمات سياسية واقتصادية متراكمة، إلى ساحة ساخنة لمواجهة عسكرية مكشوفة بين الولايات المتحدة وفصائل مسلحة موالية لإيران. ضربات جوية أميركية متكررة تستهدف مقرات الحشد الشعبي، ورسائل دبلوماسية حادة، وصمت حكومي رسمي مريب.. كلها خيوط تقود إلى استراتيجية أميركية جديدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط.

من خلال متابعة ميدانية وتحليل وثائق وتصريحات رسمية ومقابلات مع مصادر حكومية وأمنية وسياسية عراقية وأميركية، نكشف من خلال هذا التقرير أبعاد ما يجري خلف الكواليس، ويجيب عن أسئلة مصيرية: لماذا تستهدف واشنطن الحشد الآن؟ وهل الضربات الحالية مجرد بداية لتصعيد أوسع؟ وإلى أين تتجه الحكومة العراقية في مواجهة هذا المأزق؟

أولاً: من المستوصف إلى القيادات.. خريطة الضربات الأميركية

منذ اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران في مطلع العام الجاري، شنّت القوات الأميركية أكثر من 12 ضربة جوية داخل العراق، استهدفت:

– مقرات تابعة للحشد الشعبي في الأنبار (منطقة الحبانية) وبابل وديالى وصلاح الدين.

– مستوصفاً طبياً تابعاً للحشد في منطقة الحبانية (8 نيسان 2026)، ما أسفر عن مقتل 3 عناصر وإصابة 12.

– موقعاً لقيادة “الحشد” في جرف الصخر (جنوب بغداد) كان يستخدم كمركز لتجميع صواريخ بعيدة المدى.

– غارة بطائرة بدون طيار استهدفت سيارة تقل قيادياً ميدانياً في شرق بغداد (15 نيسان).

المصادر الأمنية الغربية تؤكد أن هذه الضربات لم تكن عشوائية، بل جاءت بعد رصد استخباراتي دقيق لمواقع “تُستخدم في التخطيط لعمليات ضد المصالح الأميركية”.

ثانياً: الاستراتيجية الجديدة – “تفكيك الحشد لا احتواءه”

ترسم ملامح استراتيجية أميركية لم تُعلن رسمياً، لكنها تنفذ على الأرض:

1. رسالة واضحة: لا تمييز بين الفصائل والحشد

تقول مصادر إن الإدارة الأميركية لم تعد تفرق بين “فصائل المقاومة” وهيئات الحشد الشعبي الرسمية، وتتعامل مع الحشد ككل كـ”ذراع عسكرية لإيران”. هذا ما أكدته وثيقة داخلية مسربة من السفارة الأميركية في بغداد، جاء فيها: “الحشد لم يعد كياناً وطنياً، بل أداة لتهديد المصالح الأميركية”.

2. الضربات تهدف إلى “إخلاء” المحافظات السنية

وفقاً لمصدر حكومي رفيع فإن “الضربات تركز على إخراج الحشد من محافظات الأنبار وديالى وصلاح الدين ذات الغالبية السنية، لإضعاف قبضته هناك”. وأن “هذا جزء من خطة لإعادة هيكلة الخريطة الأمنية بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية”.

3. حرب استنزاف نفسي ولوجستي

وربما أن “واشنطن لا تسعى لتدمير الحشد بالكامل، فهذا مستحيل. لكنها تريد إرهاقه عبر ضربات جراحية متكررة، مما يضطر قادته إلى إعادة انتشار قواتهم وتقليل تحركاتهم، وبالتالي تقليل الهجمات على المصالح الأميركية”.

ثالثاً: الحكومة العراقية – بين المطرقة والسندان

محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء المنتهية ولايته، يمر بأصعب اختبار منذ توليه المنصب. فمن جهة، يواجه ضغوطاً أميركية هائلة لـ”تفكيك الفصائل”، ومن جهة أخرى، يدرك أن أي تحرك حاسم ضد الحشد قد يؤدي إلى انهيار حكومته وربما حرب أهلية.

ماذا فعلت الحكومة؟

– 3 شباط 2026: المجلس الوزاري للأمن الوطني يخول الأجهزة الأمنية والحشد “الرد على أي هجوم”.

– 25 شباط: السوداني يلتقي قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، ويطالب بـ”وقف الضربات”، دون جدوى.

– 1 آذار: إعلان تشكيل لجنة وزارية لـ”دراسة دمج الحشد في مؤسسات الدولة”، لكن دون جدول زمني أو صلاحيات حقيقية.

ما الذي لم تفعله الحكومة؟

– لم تصدر أي إدانة رسمية للضربات الأميركية، مكتفية ببيانات “استنكار” فضفاضة.

– لم تستدع السفير الأميركي لتسليمه احتجاجاً رسمياً.

– لم تطلب اجتماعاً عاجلاً لمجلس الأمن الدولي.

هذا الصمت، بحسب مراقبين، يعكس عجزاً حقيقياً، أو ربما تواطؤاً ضمنياً، خاصة مع معلومات تفيد بأن بعض قيادات الحشد لجأت إلى مواقع رسمية تابعة لوزارتي الدفاع والداخلية، مما وضع الحكومة في موقف بالغ الإحراج.

رابعاً: إيران – إدارة الحرب من الداخل

تكشف مصادر استخباراتية عراقية وغربية أن إيران نقلت خلال الشهرين الماضيين:

– ما لا يقل عن 300 خبير من الحرس الثوري إلى قواعد للحشد في العراق.

– أنظمة صواريخ باليستية قصيرة المدى (نوع فاتح 110) إلى مخازن سرية في جرف الصخر ومنطقة المنصورية.

– مستشارين عسكريين لإدارة عمليات “المقاومة الإسلامية” ضد القواعد الأميركية في سوريا والأردن انطلاقاً من الأراضي العراقية.

وأن “إيران تعتبر العراق خط الدفاع الأخير. إذا اشتدت الضغوط على طهران، سنرى تحويل العراق إلى ساحة معركة مفتوحة، وربما استخدام صواريخ بعيدة المدى ضد أهداف في الخليج”.

خامساً: “المقاومة الإسلامية” – قدرات محدودة لكنها مؤثرة

منذ بداية الحرب، أعلنت “المقاومة الإسلامية في العراق” (مظلة تضم 5 فصائل كبرى: كتائب حزب الله، عصائب أهل الحق، حركة النجباء، كتائب سيد الشهداء، ولواء فاطميون) مسؤوليتها عن:

– 34 هجوماً بطائرات مسيّرة ضد قاعدة عين الأسد (الأنبار).

– 12 هجوماً ضد السفارة الأميركية في بغداد (اعتراض معظمها).

– 7 هجمات ضد أهداف أميركية في إقليم كردستان (منها قاعدة حرير).

لكن خبيراً عسكرياً عراقياً (قائد سابق في الحشد) يوضح: “هذه الهجمات محدودة الأثر، وتهدف أكثر إلى استنزاف الدفاعات الجوية الأميركية وإظهار القدرة على الرد. الحشد لا يملك صواريخ كروز أو باليستية متطورة تخترق التحصينات الأميركية”.

سادساً: ماذا بعد؟ سيناريوهات محتملة

بناءً على المعطيات المتاحة، يمكن رسم 3 سيناريوهات:

السيناريو الأول: تصعيد محدود (احتمال 60%)

– استمرار الضربات الأميركية بشكل أسبوعي، مع تجنب استهداف قيادات كبرى.

– بقاء الحشد قادراً على تنفيذ هجمات رمزية.

– بقاء الحكومة في موقف المتفرج.

– لا حرب مفتوحة، لكن لا سلام أيضاً.

السيناريو الثاني: انفجار شامل (احتمال 25%)

– ضربة أميركية تقتل قيادياً كبيراً.

– رد الحشد بصواريخ باليستية على قاعدة عين الأسد أو السفارة، مما يسفر عن قتلى أميركيين.

– رد أميركي واسع يشمل ضربات برية محدودة.

– انسحاب الحكومة من المفاوضات، وانهيار العملية السياسية.

السيناريو الثالث: تسوية خلف الكواليس (احتمال 15%)

– وساطة عُمانية أو قطرية تقود إلى تفاهم غير معلن: توقف واشنطن الضربات مقابل توقف هجمات الحشد.

– التزام الحشد بعدم استهداف المصالح الأميركية في العراق، مع استمرار استهداف إسرائيل من خارج الأراضي العراقية.

– بدء مفاوضات جدية لدمج بعض ألوية الحشد في الجيش.

العراق رهينة صراع لا يريده

ومن خلال ما سبق نتوصل إلى أن العراق لم يعد فاعلاً في قرار الحرب والسلم على أرضه، بل أصبح ساحة مفتوحة لصراع إقليمي ودولي. الحكومة عاجزة، والفصائل متورطة، والأميركي يضرب متى شاء. الشعب العراقي هو الخاسر الأكبر، إذ يدفع ثمناً باهظاً من دمائه واقتصاده.

السؤال الذي يطرح نفسه، هل يمتلك العراقيون إرادة لاستعادة سيادتهم، أم أن مصيرهم أن يبقوا أسرى صراعات الكبار؟

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026