تراجع الآمال وتصاعد التوتر
بعد أسابيع من الترقب الدولي، تبددت الآمال في تحقيق انفراجة دبلوماسية بين واشنطن وطهران، مع تعثر الجهود الرامية لإحياء المحادثات غير المباشرة التي كانت ترعاها باكستان. ففي يوم الأحد (30 نيسان 2026)، تزامنت مؤشرات ميدانية ودبلوماسية تؤكد أن المسار التفاوضي دخل في نفق مسدود، وأن الهدنة الهشة التي أوقفت القتال منذ 7 نيسان قد لا تصمد طويلاً.
ففي الوقت الذي شددت فيه طهران على ضرورة رفع الحصار البحري والاقتصادي قبل أي نقاش جاد، ألغت واشنطن زيارة مبعوثيها إلى إسلام آباد، ما يرجح أن المنطقة تقترب من مواجهة جديدة قد تكون أوسع من السابقة.
أولاً: انسحاب أمريكي من باكستان – مؤشر على تعطل المسار
كشفت مصادر حكومية باكستانية (رفضت الكشف عن هويتها) أن القوات الأميركية بدأت في إزالة معداتها الأمنية من العاصمة إسلام آباد، في خطوة فسرها مراقبون على أنها مؤشر واضح على عدم عودة أي وفد أميركي لإجراء محادثات في المدى القريب.
التفاصيل الميدانية:
– طائرتان من طراز **C-17 Globemaster** تابعتان لسلاح الجو الأميركي غادرتا قاعدة “نور خان” الجوية قرب إسلام آباد، وكانتا تحملان أفراد أمن ومعدات ومركبات مخصصة لحماية كبار المسؤولين.
– المصادر ذاتها أشارت إلى أن المغادرة تمت بصورة غير مفاجئة، لكن توقيتها المتزامن مع إلغاء الرئيس ترامب لزيارة مبعوثيه يعزز فرضية “الإحباط الدبلوماسي”.
– لم تصدر السفارة الأميركية في إسلام آباد أي بيان رسمي حول مستقبل الوساطة الباكستانية.
ثانياً: عراقجي يتحرك – مسقط وموسكو على الطريق
في الجانب الإيراني، يواصل وزير الخارجية عباس عراقجي نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. فبعد عودته السريعة إلى إسلام آباد (عقب إلغاء الزيارة الأميركية)، توجه مباشرة إلى سلطنة عمان، ثم من المقرر أن يتوجه إلى موسكو.
ثالثاً: نقاط الاشتباك – لماذا فشلت الجهود؟
جمود المفاوضات لم يأتِ من فراغ، بل يرجع إلى فجوة واسعة بين الشروط المسبقة للطرفين.
التصريحات المتقاطعة:
– قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: “لن نخوض مفاوضات مفروضة تحت التهديد والحصار”، مضيفاً أن أي تقدم يتطلب رفع القيود أولاً، خصوصاً الحصار البحري.
– في المقابل، صرّح ترامب (في تغريدة أو تصريح مقتضب) بأن إيران قدمت “عرضاً أفضل بكثير، لكنه غير كافٍ”، مشدداً على أن منع امتلاك السلاح النووي هو “الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه”.
– أما بالنسبة للانقسامات الداخلية المزعومة في طهران، فقد نفاها بزشكيان قائلاً: “لا وجود لانقسامات بين متشددين ومعتدلين”، مؤكداً أن البلاد تقف خلف قيادتها العليا. بينما تحدث ترامب عن “ارتباك داخلي كبير” في القيادة الإيرانية.
رابعاً: أرقام على الطاولة – يورانيوم ونفط وهرمز
الملف النووي:
– تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى أن إيران تمتلك نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% – وهي نسبة تقترب تقنياً من مستوى الاستخدام العسكري (90%).
– الوقت اللازم لتحويل هذا المخزون إلى سلاح نووي واحد يقدر بـ”أسابيع” وفق تقارير استخباراتية غربية، رغم نفي طهران أي نية عسكرية.
الملف النفطي – إغلاق هرمز:
– مضيق هرمز يمر عبره نحو خمس (20%) صادرات النفط والغاز العالمية.
– أغلقت إيران إلى حد كبير المضيق منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير 2026، فيما فرضت واشنطن حصاراً بحرياً وجوياً على الموانئ الإيرانية، ما أدى إلى:
– ارتفاع أسعار النفط العالمية بنسبة 40% خلال شهرين.
– تراجع الإيرادات النفطية الإيرانية بنسبة تزيد على 80%، مما زاد الضغط الاقتصادي الداخلي على طهران.
– شلل في حركة الملاحة التجارية لدول الخليج، مع تحول بعض الشحنات إلى موانئ بديلة (صلالة، جبل علي، العقبة) بتكاليف أعلى.
خامساً: هل تعود الحرب؟ – ثلاثة سيناريوهات
1 – استمرار الجمود والهدنة الهشة مع استمرار إغلاق هرمز جزئياً. مع مفاوضات غير مباشرة عبر مسقط أو الدوحة على نار هادئة. وعدم وقوع حوادث عسكرية كبرى على خطوط التماس.
2 – انهيار الهدنة وعودة القتال المحدود مع هجوم إيراني على ناقلة نفط تنتهك “منطقة الحظر”. يرافقه قصف أمريكي لمنشأة نووية إيرانية كـ”تحذير”. وانسحاب باكستان من الوساطة.
3 – تصعيد شامل إقليمي وإغراق إيران للمضيق فعلياً. ورد أمريكي باستهداف طهران أو مرشدها. مع تورط وكلاء إقليميون (اليمن، العراق، لبنان).
السيناريو الأول هو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، لكن الهدنة تظل “هشة” لأنها لا تعالج الجذور (الملف النووي، الحصار، النفوذ الإقليمي). أي حادث غير محسوب – سواء كان خطأ ملاحياً أو استفزازاً مقصوداً – قد يدفع الطرفين نحو انزلاق تدريجي لا يمكن السيطرة عليه.
بين إرادة التهدئة وضيق الوقت
يكشف المشهد الحالي عن معادلة صعبة: “لا أمريكا مستعدة لرفع الحصار دون ضمانات نووية وإقليمية، ولا إيران مستعدة للتفاوض وهي تحت وطأة الخنق الاقتصادي”. الوسطاء (باكستان، عمان، وروسيا ضمنياً) يبذلون جهوداً مشكورة، لكن غياب مؤشرات على “تنازل استراتيجي” من أي طرف يجعل الفرصة ضئيلة لتحقيق انفراجة وشيكة.
إلغاء ترامب لزيارة مبعوثيه – مع أنه أرجعه إلى “عدم إحراز تقدم” – يمكن تفسيره أيضاً كتكتيك ضغط، لإجبار إيران على تقديم تنازلات أكبر. بالمقابل، فإن رفض طهران للتفاوض تحت الحصار ليس مجرد موقف سياسي، بل هو أيضاً حاجة داخلية لإظهار “عدم الخضوع” أمام القاعدة الشعبية المؤيدة للنظام.
تبقى الأيام القليلة القادمة حاسمة: فإذا لم تظهر بوادر جدية للأمام قبل منتصف أيار، فقد نعود إلى لغة الرصاص التي حاول الجميع تجنبها مؤقتاً. السؤال المعلق: “هل يملك أي من الطرفين هامشاً كافياً للتراجع دون أن يدفع ثمناً سياسياً داخلياً باهظاً؟”.



