في تطور إنساني خطير يحمل تداعيات سياسية واجتماعية عميقة، أعلنت الأمم المتحدة، عبر برنامج الأغذية العالمي (WFP)، عن تخفيض حاد في المساعدات الغذائية الطارئة المقدمة لسوريا بنسبة 50%، مع وقف كامل لبرنامج دعم الخبز الذي كان يشكل شبكة أمان لملايين السوريين. يأتي هذا القرار نتيجة عجز حاد في التمويل، وليس بسبب تحسن في الأوضاع الإنسانية أو تراجع في الاحتياجات، كما أكدت المسؤولة الأممية.
أعلن برنامج الأغذية العالمي (ومقره روما) في بيان رسمي اليوم أنه سيُقلص عدد المستفيدين من المساعدات الغذائية الطارئة في سوريا من 1.3 مليون شخص إلى 650 ألف شخص فقط، أي بنسبة خفض تبلغ 50% بالضبط. إلى جانب التخفيض في المساعدات الطارئة، سيتم إيقاف برنامج دعم الخبز بالكامل. كان هذا البرنامج يدعم أكثر من 300 مخبز في مختلف المناطق السورية عبر تزويدها بدقيق القمح المدعّم، مما ساهم في الحفاظ على سعر الخبز – وهو المادة الغذائية الأساسية في النظام الغذائي السوري – في متناول الفئات الأشد فقراً. وصف البيان الأممي هذا البرنامج بأنه “شريان حياة” (lifeline) بالنسبة لملايين السوريين، وإيقافه يعني أن أسعار الخبز في الأسواق الحرة (غير المدعومة) سترتفع بشكل حاد، مما سيخرج شريحة إضافية من السكان من دائرة الأمان الغذائي.
صرّحت ماريان ورد، مديرة برنامج الأغذية العالمي في سوريا، بأن “تقليص المساعدات ناتج فقط عن نقص التمويل، وليس بسبب تراجع الاحتياجات”. وأضافت: “هذه لحظة حاسمة بالنسبة إلى سوريا. فالتعافي لا يزال هشاً، والاحتياجات كبيرة، ونحن مضطرون إلى سحب شبكة أمان أساسية”. هذا الإقرار الرسمي يحمل رسالة واضحة للمجتمع الدولي مفادها أن الالتزامات المالية لم يتم الوفاء بها، وأن الفجوة التمويلية تهدد حياة الملايين.
ذكر البرنامج في بيانه أن سوريا شهدت “استقراراً نسبياً” منذ نهاية الحرب الأهلية (التي انتهت فعلياً بعد سقوط نظام الأسد في أواخر 2024 وتشكيل إدارة جديدة). لكن هذا الاستقرار، وفق المحللين، هو استقرار هش لا يزال يفتقر إلى مقومات التعافي الحقيقي: اقتصاد مدمر، بطالة تصل إلى 50% في بعض المناطق، عملة محلية فقدت أكثر من 90% من قيمتها، وبنية تحتية متهالكة. في ظل هذه الظروف، يكون السكان المدنيون معتمدين بشكل شبه كامل على المساعدات الدولية لتأمين احتياجاتهم الأساسية.
تصنف سوريا اليوم ضمن أعلى خمس دول في العالم من حيث نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الشديد، إلى جانب اليمن وأفغانستان والصومال وجنوب السودان. الفارق أن سوريا كانت، قبل عام 2011، دولة ذات دخل متوسط ومصدرة للمنتجات الزراعية. الحرب التي استمرت 13 عاماً حولتها إلى حالة إنسانية نموذجية، والتراجع الحاد في المساعدات يهدد بجعل هذه الحالة مزمنة لا رجعة فيها.
بعد 15 عاماً من الأزمة السورية (2011-2026)، بدأت الدول المانحة تشعر بـ”الإرهاق الإنساني”. فالمؤتمرات المانحة السنوية (مثل مؤتمر بروكسل) كانت تعلن تعهدات بمليارات الدولارات، لكن نسبة الالتزام الفعلي (التحويل النقدي) كانت تتراوح بين 60-70% فقط. في عام 2026، ومع انشغال العالم بحرب إيران وتداعياتها الاقتصادية، قد تنخفض نسبة الالتزام إلى أقل من 40%.
بعض المانحين يعتقدون أن سوريا تحتاج الآن إلى “إعادة إعمار” وليس إلى “إغاثة طارئة”. لكن واقع الحال أن إعادة الإعمار بدون تغطية الاحتياجات الغذائية الأساسية هو بناء على رمال متحركة. فالجوع يمنع الناس من العمل في مشاريع البناء، ويجبرهم على بيع أدوات الإنتاج (مثل المضخات الزراعية أو مواشيهم) من أجل شراء الخبز، مما يطيل أمد الفقر بدلاً من اختصاره.
القرار الأممي بتقليص المساعدات الغذائية لسوريا بنسبة 50% ووقف دعم الخبز ليس مجرد إجراء تقني بسبب نقص التمويل. إنه اختبار حقيقي لقيم الإنسانية العالمية وإرادة المجتمع الدولي. فإما أن تتقدم الدول المانحة (خاصة دول الخليج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة) بتعهدات عاجلة لتغطية الـ 189 مليون دولار المطلوبة خلال أسابيع، وإما أن تشهد سوريا موجة جديدة من المعاناة الإنسانية التي ستترك ندوباً عميقة لسنوات.
المفارقة الأكثر إيلاماً أن سوريا اليوم لم تعد ساحة حرب مفتوحة، ولم تعد تبث على شاشات التلفزة صور القصف والدمار. هذا “الصمت الإعلامي” جعلها خارج دائرة الضوء، وبالتالي خارج دائرة التبرعات. لكن الجوع لا يحتاج إلى كاميرات لينتشر. كما قالت مديرة البرنامج في سوريا: “هذه لحظة حاسمة”. اللحظة الحاسمة تتطلب قرارات حاسمة: إما إنقاذ حياة 650 ألف إنسان إضافي، أو تحمل مسؤولية التاريخ في تركهم يواجهون المجاعة وحدهم.



