في ظل تصاعد التوترات العسكرية بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وتزايد احتمالات إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة فيه، عادت الأسئلة القديمة – الجديدة حول بدائل آمنة لنقل الطاقة والتجارة إلى واجهة الاهتمام الإقليمي والدولي. لم تعد هذه البدائل مجرد خيارات نظرية، بل تحولت إلى مشاريع استراتيجية متنافسة، أبرزها “طريق التنمية” بين العراق وتركيا، و”خطة البحار الأربعة” على المحور السوري – التركي. يتبين أن الجغرافيا الكردستانية (في كل من العراق وسوريا) باتت تشكل العقدة المحورية التي تمر عبرها غالبية خطوط النقل والطاقة الجديدة، مما يضع كردستان في قلب تنافس إقليمي ودولي متزايد على السيطرة على الممرات الاقتصادية البديلة.
تعود جذور الاهتمام المتجدد بممرات الطاقة البديلة إلى عاملين رئيسيين مترابطين:
1. التهديد الوجودي لمضيق هرمز: يشكل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط الخام العالمي و30% من الغاز الطبيعي المسال، نقطة ضغط استراتيجية بيد إيران. فباستخدام الزوارق السريعة والألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن (بما فيها صواريخ “خليج فارس” الباليستية)، تستطيع طهران تعطيل الملاحة فيه بشكل كامل أو جزئي. في حال تحقق ذلك، سترتفع أسعار النفط والغاز بشكل غير مسبوق، مما سيسبب صدمة للاقتصاد العالمي قد تفوق صدمة السبعينيات. هذا التهديد هو ما يدفع الدول المستهلكة للطاقة (خاصة أوروبا وتركيا) والمنتجة (دول الخليج والعراق) إلى البحث عن ممرات برية آمنة.
2. *إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية بعد حرب غزة وحرب إيران: أظهرت الحروب الأخيرة (غزة 2023-2024، ثم الحرب الأميركية – الإيرانية 2026) هشاشة الممرات البحرية التقليدية، وأهمية وجود بدائل برية لا يمكن استهدافها بسهولة بواسطة الصواريخ أو الزوارق الانتحارية. كما أن سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024 فتح المجال أمام إعادة إحياء مشاريع كانت مجمدة بسبب الحرب السورية والعقوبات.
مع سقوط نظام الأسد في أواخر عام 2024، وتشكيل إدارة مؤقتة بقيادة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، عاد المشروع إلى الواجهة بقوة. فخلال مشاركته في “منتدى أنطاليا الدبلوماسي” في 17 نيسان (أبريل) 2026، ثم في قمة الاتحاد الأوروبي بقبرص يوم 24 نيسان، تحدث الشرع عن مساعي بلاده لتحويل سوريا إلى ممر بديل لنقل الطاقة والبضائع، معتبراً أن سوريا يمكن أن تشكل “جسراً يربط الخليج بتركيا، وخطاً للاستقرار في شرق المتوسط”. كما وصف وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، خلال زيارته إلى أنقرة، المشروع بأنه “بداية مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين سوريا وتركيا”.
وفقاً لوثيقة سعودية – أميركية – تركية مشتركة كشفت عنها مجلة “المجلة” السعودية، تتضمن الخطة ثلاثة محاور رئيسية:
1. محور النفط – إعادة تأهيل خط كركوك – بانياس.
2. محور الغاز – تمديد “الخط العربي للغاز”: كان “الخط العربي للغاز” يربط مصر بالأردن وسوريا ولبنان. الخطة الجديدة تقضي بتمديده شمالاً ليربط تركيا، ومنها إلى أوروبا (عبر خطوط مثل “تاناب” و”البحر الأسود”).
3. محور النقل اللوجستي – السكك الحديدية والطرق البرية: إنشاء شبكة سكك حديدية حديثة تربط الحدود العراقية (منطقة البوكمال) بالحدود التركية (منطقة تل أبيض أو جرابلس)، مروراً بدير الزور والرقة وحلب. تطوير موانئ اللاذقية وطرطوس وبانياس لتكون منافذ رئيسية للبضائع القادمة من الخليج وآسيا الوسطى.
“طريق التنمية” – المنافس الشرقي لخطة البحار الأربعة
المكونات المادية للمشروع:
– الطول الإجمالي: 1200 كيلومتر من السكك الحديدية والطرق السريعة المزدوجة.
– المسار الأساسي: يبدأ من ميناء البصرة (شمال الخليج العربي)، مروراً بمحافظات الناصرية والديوانية والنجف وكربلاء وبغداد ونينوى، وصولاً إلى معبر “أوفاكوي” (Ovaköy) على الحدود التركية – العراقية (في منطقة إقليم كردستان).
– المرحلة الثانية: ربط خطوط فرعية بحقول النفط في كركوك ومنطقة كردستان (أربيل والسليمانية).
– القدرة الاستيعابية المستهدفة: نقل 6 ملايين حاوية سنوياً، ونحو مليون برميل من النفط يومياً عبر أنابيب موازية.
الأبعاد الأمنية والتوسع التركي:
رغم الطابع الاقتصادي للمشروع، يشير محللون مثل صلاح الدين أردم (في مقال نشر بتاريخ 24 نيسان 2024) إلى أن للمشروع أبعاداً أمنية واضحة. فتركيا تستخدم المشروع كغطاء لتوسيع نفوذها العسكري في مناطق شمال العراق وإقليم كردستان، وتثبيت وجودها في مناطق كانت سابقاً تحت سيطرة حزب العمال الكردستاني (PKK). يعتبر أردم أن “طريق التنمية” بصيغته الحالية يفرض “حصاراً على جنوب كردستان”، ويمثل محاولة من حكومة أردوغان “لاستكمال أهداف لم تحققها عسكرياً في مناطق الدفاع المشروع”.
التنافس مع IMEC ومبادرة الحزام والطريق
أ. IMEC – الممر الهندي – الأوسط – الأوروبي:
أُعلن عن مشروع IMEC (India-Middle East-Europe Corridor) على هامش قمة مجموعة العشرين في نيودلهي عام 2023، بمشاركة الهند والسعودية والإمارات والأردن وإسرائيل واليونان وإيطاليا والاتحاد الأوروبي، وبمباركة أميركية واضحة. يهدف IMEC إلى إنشاء ممر تجاري وطاقة يبدأ من الهند، عبر ميناء الخليج العربي في الإمارات، ثم عبر السعودية والأردن، ثم ميناء حيفا الإسرائيلي (أو ميناء غزة قيد التطوير)، ثم عبر البحر المتوسط إلى أوروبا.
ب. لماذا تعتبر تركيا أن IMEC خسارة استراتيجية؟
الممر IMEC يستبعد تركيا تماماً من المسار الرئيسي. هذا يعني أن تركيا، التي كانت لقرون جسراً بين آسيا وأوروبا، ستصبح مهمشة في تجارة الطاقة والسلع العالمية. كما أن إدراج إسرائيل في الممر يعزز الدور الجيوسياسي لدول الخليج وإسرائيل على حساب أنقرة. هذا الاستبعاد هو ما دفع تركيا إلى التحرك بقوة لإحياء “خطة البحار الأربعة” مع سوريا، و”طريق التنمية” مع العراق، كبديلين موازيين ينافسان IMEC بل ويتحديانه.
ج. الموازنة مع مبادرة “الحزام والطريق” الصينية:
على الجانب الآخر، هناك مبادرة “الحزام والطريق” (BRI) الصينية التي استثمرت بكين فيها أكثر من تريليون دولار. بينما تتنافس المشاريع التركية – السورية – العراقية مع IMEC، فهي ليست بالضرورة منافسة مباشرة للمبادرة الصينية. بل على العكس، قد ترى بكين في هذه الممرات الجديدة فروعاً إقليمية لـ “الحزام والطريق”، خاصة أن الصين لديها مصالح كبيرة في موانئ الخليج والعراق وإيران. لكن التحدي الأكبر هو أن هذه الممرات الجديدة (خاصة طريق التنمية) ستوفر بديلاً أوروبياً للبضائع القادمة من آسيا قد ينافس الطريق البحري عبر قناة السويس، مما يقلل الاعتماد على الممرات التي تسيطر عليها مصر.
كردستان – العقدة الجيوسياسية والممر الإجباري
أ. المركز الجغرافي المحوري:
أهم ما يلفت الانتباه في جميع هذه المشاريع (خطة البحار الأربعة، طريق التنمية، وحتى الخطوط القديمة مثل كركوك – بانياس) هو أن معظم خطوط الطاقة والتجارة المقترحة تمر عبر جغرافية كردستان، سواء:
– كردستان العراق (إقليم كردستان): تمر عبرها خطوط أنابيب كركوك – جيهان (عبر أراضي الإقليم)، وطريق التنمية الذي يمر عبر معبر أوفاكوي في شمال الإقليم، بالإضافة إلى خطوط الكهرباء والغاز بين العراق وتركيا.
– كردستان سوريا (روجافا): تمر عبرها أي خط أنابيب أو طريق بري يربط العراق (البوكمال) بسوريا (دير الزور – الرقة – حلب – الحدود التركية). المنطقة الكردية في شمال شرق سوريا هي الحلقة الأضعف والأكثر حساسية في أي مشروع عابر.
ب. كردستان كمركز لإنتاج وتوزيع الطاقة:
لم تعد كردستان مجرد ممر عبور، بل تحولت إلى منتج رئيسي للنفط والغاز. فإقليم كردستان العراق ينتج حوالي 450 ألف برميل يومياً (قبل توقف التصدير عبر جيهان عام 2023 بسبب نزاع قانوني مع بغداد). كما تمتلك كردستان السورية حقول نفط وغاز كبيرة في منطقة رميلان والجبسة، تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أميركياً. هذا يعني أن أي ممر جديد يجب أن يأخذ في الاعتبار ليس فقط عبور الطاقة المنتجة في الخليج والعراق، بل أيضاً دمج الطاقة المنتجة في كردستان نفسها في الشبكات الإقليمية.
يمثل تهديد مضيق هرمز لحظة اختبار حقيقية لنماذج الطاقة والتجارة العالمية. فإما أن تنجح البدائل البرية في الظهور، وإما أن يظل العالم رهينة الجيوبوليتيكا البحرية لإيران. ما يبدو مؤكداً هو أن كردستان – بكل تعقيداتها السياسية والأمنية – لن تكون مجرد متفرج على هذا المشهد، بل ستكون ساحة صراع رئيسية وورقة رابحة لأي طرف يسعى لتحقيق مشروعه. في النهاية، نجاح أو فشل “خطة البحار الأربعة” و”طريق التنمية” سيتوقف على سؤال واحد فقط: هل تستطيع القوى الإقليمية والدولية تجاوز خلافاتها حول كردستان بما يكفي لبناء هذه الممرات؟ أم أن كردستان ستبقى “العقدة التي تخنق الحلم”؟



