السبت, 11 يوليو 2026
  • Home  
  • كيف تهدد المولدات الكهربائية صحة العراقيين في صيف يزداد حراً
- بيئة واقتصاد

كيف تهدد المولدات الكهربائية صحة العراقيين في صيف يزداد حراً

محمد العجيلي على وقع موجة الحر التي تضرب المنطقة، يستعد العراق لصيفٍ قد يكون الأكثر قسوة في تاريخه الحديث؛ ليس فقط بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بل بسبب السموم التي تملأ هواءه وتُعبأ في رئات أطفاله. إنها ليست حرارة الصيف وحدها، بل مزيج قاتل من الغبار الكثيف وعوادم السيارات وغازات المولدات الكهربائية التي لا تتوقف عن […]

محمد العجيلي

على وقع موجة الحر التي تضرب المنطقة، يستعد العراق لصيفٍ قد يكون الأكثر قسوة في تاريخه الحديث؛ ليس فقط بسبب ارتفاع درجات الحرارة، بل بسبب السموم التي تملأ هواءه وتُعبأ في رئات أطفاله. إنها ليست حرارة الصيف وحدها، بل مزيج قاتل من الغبار الكثيف وعوادم السيارات وغازات المولدات الكهربائية التي لا تتوقف عن العمل ليلاً ونهاراً، لتمنح العائلات العراقية إنارةً هزيلة ثمناً لأجسادها وحياتها.

المفارقة المأساوية أن العراق، صاحب ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، يعيش عجزاً هيكلياً في الكهرباء يصل إلى أكثر من 26 ألف ميغاواط في ذروة الصيف، في ظل طلب يومي يتضاعف مع حلول كل صيف. هذا العجز، الذي تنتج عنه ساعات انقطاع متكررة تصل إلى 12 ساعة يومياً في بعض الأحياء، يجبر المواطنين على اللجوء لما يُعرف بـ”اقتصاد المولدات” الكهربائية، وهو اقتصاد يتغذى على صحتهم ويهدد مستقبل أطفالهم.

المولدات الكهربائية – شريان الحياة والموت البطيء

لجأ العراقيون إلى المولدات الأهلية منذ أكثر من ثلاثة عقود، بعد تدمير البنى التحتية وشبكات الطاقة إثر حرب الخليج الثانية. وتفيد تقديرات بأن عدد المولدات الأهلية العاملة على الديزل في عموم محافظات العراق يتجاوز 49 ألف مولدة، تتوزع بين الأزقة والشوارع والمجاورات السكنية، ملتصقة بالجدران والنوافذ.

إن حجم الاعتماد على هذه المولدات يجعلها جزءاً لا يتجزأ من النسيج الحياتي اليومي للعراقيين؛ فهي تمد المنازل والمستشفيات والمدارس والمرافق الحيوية بالكهرباء خلال ساعات الانقطاع المطولة، لكن ثمن هذه الخدمة باهظ.

التلوث الهوائي وسرطان الرئة

تطلق المولدات الكهربائية القديمة – التي لا تحوي فلاتر لتنقية انبعاثاتها – مجموعة من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة (PM2.5) التي تؤثر بشكل مباشر على الجهاز التنفسي والقلب. وتشمل هذه الملوثات أول أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، وأكسيدات النيتروجين، إضافة إلى مركبات عضوية متطايرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تركيز الجسيمات الدقيقة PM2.5 في العراق يفوق القيمة الإرشادية لمنظمة الصحة العالمية بنحو 7.6 مرة، وهو مؤشر كارثي يعكس حجم التلوث اليومي الذي يتنفسه المواطن العراقي.

إن الجسيمات الدقيقة قادرة على اختراق الحواجز الدفاعية في الجهاز التنفسي والوصول إلى أعماق الرئتين، مسببة التهابات مزمنة وتهييجاً مستمراً للأغشية المخاطية وتضييقاً في الشعب الهوائية. وقد رصدت الدراسات العلمية وجود ارتباط وثيق بين تدهور جودة الهواء وارتفاع نسب الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي، بما في ذلك الربو والتهاب الشعب الهوائية والانسداد الرئوي المزمن والالتهابات الرئوية، بالإضافة إلى زيادة احتمالات الإصابة بسرطان الرئة.

الغبار – سلاح الطبيعة ضد العراقيين

لا يتوقف الخطر عند عوادم المولدات. فالصيف العراقي يحمل معه عواصف ترابية متكررة تتحول معها الأجواء إلى جحيم خانق. العراق هو أحد أكثر بلدان العالم تضرراً بالعواصف الترابية، وقد سُجلت في عام 2023 وحده 158 يوماً من العواصف الترابية. وتشير إحصاءات وزارة البيئة العراقية إلى تسجيل متوسط 272 يوماً مغبراً سنوياً خلال العقدين الماضيين، وقد يرتفع هذا الرقم إلى 300 يوم سنوياً بحلول عام 2050 إذا استمرت الاتجاهات الحالية.

هذه العواصف ليست مجرد غبار عابر؛ إنها تحمل معادن ثقيلة سامة (مثل الزئبق والزرنيخ والرصاص) وبكتيريا هوائية متغيرة تزيد من حدة الالتهابات لدى مرضى الربو والحساسية. وقد أظهرت دراسة علمية حديثة في الأنبار وبغداد وكركوك أن العواصف الترابية ترفع مستويات المعادن الثقيلة في الهواء وتغير التركيبة البكتيرية بشكل كبير، مما يرفع مؤشرات الالتهاب في مرضى الربو.

التقاعس الحكومي – من يتحمل المسؤولية؟

بينما يُطرح السؤال كل صيف: لماذا لم تُحل أزمة الكهرباء بعد؟ تقف الإجابة عالقة في حلق المواطن الخانق. فالعراق، الذي صرفت حكوماته المتعاقبة ما يقدر بـ80 مليار دولار لتأمين الكهرباء خلال عقدين فقط، لا يزال عاجزاً عن تأمين احتياجاته الأساسية.

سيناريوهات الصيف القادم – كارثة متوقعة

مع حلول صيف 2026، يلوح في الأفق عجز هائل في الكهرباء يتراوح بين 26 و40 ألف ميغاواط عن الطلب الأساسي. هذا العجز سيعني:

– ساعات انقطاع أطول، تصل إلى 18 ساعة يومياً في بعض المحافظات.

– ضغطاً أكبر على المولدات الأهلية التي ستعمل لساعات أطول دون توقف.

– مضاعفة الانبعاثات السامة في الهواء عند ارتفاع درجات الحرارة.

– زيادة حادة في حالات الاختناق والمراجعات الطبية، مع ما يستتبعها من ضغط على نظام صحي هش أصلاً.

– احتمال تفاقم موسم الغبار بشكل أكبر، نتيجة الجفاف والتصحر الذي طال 41% من مساحة العراق، وبالتالي ارتفاع عدد المرضى المنومين.

العراق الذي يمر بصيف شديد الحرارة لم يعد يواجه مجرد أزمة كهرباء تقليدية؛ إنه يواجه أزمة وجودية تتعلق بالهواء الذي يتنفسه الناس، والذي يتحول بفعل المزيج القاتل من المولدات وعوادم السيارات والغبار، إلى سم يملأ الرئات وينشر الأمراض والأورام بين الصغار والكبار.

ما يحدث في المدن العراقية ليس مجرد “تلوث عابر” يمكن تجاوزه بالصبر؛ إنه **عنف بطيء** يمارس على المواطنين، وتقاعس حكومي متكرر يسمح لهذا العنف بالاستمرار. ومع أن خطط التحول إلى الطاقة الشمسية تثير بعض التفاؤل, إلا أن هذه الحلول تحتاج إلى سنوات حتى تؤتي ثمارها، بينما المواطنون يختنقون الآن.

إن الحلول التي نطرحها – من معالجة المولدات الملوثة، إلى دعم الطاقة المتجددة، إلى تطوير النقل العام، إلى تشجير المدن – ليست مجرد توصيات إنشائية، بل ضرورات إنسانية ووطنية لا تحتمل التأجيل. فكل يوم يمر دون تحرك جاد يعني المزيد من الأمراض، والمزيد من الأورام، والمزيد من الوفيات المبكرة في صفوف عراقيين لم يذنبوا سوى أنهم اضطروا للتنفس.

العراق، بلد الحضارتين والنهرين، يستحق أن يكون هواؤه نقياً، وأن لا يتحول تنفس أطفاله إلى معركة يومية بين الرغبة في البقاء ومخاطر الاختناق. تلك مسؤولية تقع على عاتق الحكومات المتعاقبة قبل أن تقع على عاتق المواطن المغلوب على أمره. والحل ليس صعباً كما تتصوره العيون، إذا توفرت النية الصادقة والإرادة الصلبة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026