• Home  
  • كيف تحولت مناطق عراقية إلى ثكنات عسكرية بيد قوى خارجية ومحلية؟
- أخبار

كيف تحولت مناطق عراقية إلى ثكنات عسكرية بيد قوى خارجية ومحلية؟

رغم مرور عامين على إطلاق “مبادرة السلام” المتعلقة بالأزمة الكردية – التركية، ورغم الخطابات السياسية الداعية إلى الحلول الديمقراطية وإنهاء العنف، لا تزال مناطق واسعة من الأراضي العراقية (خاصة في المناطق الشمالية المتاخمة للحدود التركية) تعيش حالة من التصعيد العسكري والإجراءات الأمنية المشددة التي تنفذها جهات فاعلة غير عراقية، بالتنسيق مع أطراف محلية. هذه الممارسات […]

رغم مرور عامين على إطلاق “مبادرة السلام” المتعلقة بالأزمة الكردية – التركية، ورغم الخطابات السياسية الداعية إلى الحلول الديمقراطية وإنهاء العنف، لا تزال مناطق واسعة من الأراضي العراقية (خاصة في المناطق الشمالية المتاخمة للحدود التركية) تعيش حالة من التصعيد العسكري والإجراءات الأمنية المشددة التي تنفذها جهات فاعلة غير عراقية، بالتنسيق مع أطراف محلية. هذه الممارسات أدت إلى تهجير عشرات القرى، وتدمير المنازل والبنية التحتية، وتحويل مناطق بأكملها إلى ثكنات عسكرية مغلقة، مع منع سكانها الأصليين (من مختلف المكونات) من العودة. يتناول هذا التقرير الأبعاد الإنسانية والقانونية لهذه الانتهاكات، ويسلط الضوء على غياب الدور الحكومي العراقي في حماية سيادته ومواطنيه، ويحول القضية من كونها “إشكالاً كردياً – تركياً” إلى “قضية عراقية وطنية” تتعلق بسلامة الأراضي وحقوق الإنسان ووحدة النسيج الاجتماعي.

مع انطلاق ما يُسمى بـ “عملية السلام” (مبادرة الحل الديمقراطي للقضية الكردية في تركيا) قبل عامين، سارعت العديد من القوى السياسية في شمال العراق، بما في ذلك الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى إعلان دعمها الكامل لهذه المبادرة، مؤكدة استعدادها لتحمل “مسؤوليتها التاريخية” في إنجاحها. لكن الوقائع الميدانية، وبعد أكثر من عام على بدء العملية، تكشف استمرار السياسات العسكرية التركية على الأراضي العراقية، بل وتصعيدها في بعض المناطق، مع تعاون محلي سهل هذه الانتهاكات بدلاً من مواجهتها.

هذه القرى كانت مأهولة بمزيج من السكان الأصليين (كرد، إيزيديون، آشوريون، تركمان)، مما يعني أن التهجير لم يطال مكوناً واحداً، بل أثر على النسيج الاجتماعي المتنوع للمنطقة. بالتالي، القضية ليست “كردية” فقط، بل عراقية بامتياز.

الملاحظ أن الحكومة العراقية الاتحادية (في بغداد) كانت منشغلة بملفات أخرى (الموازنة، الصراعات السياسية الداخلية، أزمة إيران)، بينما تُركت المناطق الشمالية لتدير ملفها الأمني بنفسها. القوات العراقية الرسمية (الجيش والشرطة الاتحادية) ليست منتشرة في هذه المناطق الحدودية، بل تسيطر عليها قوات محلية (أساييش، البيشمركة التابعة لحزب معين). وهذا غياب للسيادة يتحمل مسؤوليته القادة السياسيون في بغداد وأربيل على حد سواء.

في 24 شباط الماضي، حاول سكان منطقة بركاري (الذين نزحوا منذ سنوات) كسر الحصار المفروض على قراهم والعودة إليها، ولو بشكل رمزي. لكن بحسب الأهالي، تم تشديد الإجراءات الأمنية فوراً، وتم منعهم من العودة بقرار مشترك بين الجهات الأمنية المحلية (التابعة للحزب الديمقراطي) والدولة التركية. هذا يؤكد أن “الحصار” ليس مجرد إجراء عسكري تركي أحادي، بل هو سياسة منسقة بين طرفين.

تحويل القضية إلى مشكلة عراقية وطنية – لماذا يجب أن يهتم بها كل عراقي؟

أ. السيادة أولاً: إذا كانت الأراضي في شمال العراق قابلة للانتهاك التركي بهذه السهولة، فلماذا لا تنتهك إيران أو السعودية أو إسرائيل أراضٍ في الجنوب أو الغرب بنفس الطريقة؟ غياب الردع الوطني يجعل كل محافظة عراقية عرضة للخطر. هذه القضية تتعلق بكرامة الدولة العراقية وليس بإثنية السكان.

ب. سابقة خطيرة للتشرذم: القوى المحلية التي تتعاون مع قوات أجنبية ضد مواطنيها تخلق سابقة خطيرة لتقسيم الولاءات. المواطن العراقي يجب أن يكون ولاؤه للدولة العراقية فقط، وليس لأحزاب أو جهات خارجية. استمرار هذه الممارسات يعمق التشرذم ويقوض فكرة “العراق الواحد”.

ج. النزوح الداخلي غير المسبوق: تهجير عشرات القرى يعني خلق موجات نزوح جديدة تضاف إلى ملايين النازحين السابقين (من داعش، والحرب الأهلية). هذا يثقل كاهل البنى التحتية في المدن (دهوك، أربيل، الموصل)، ويزيد من البطالة والفقر والتوتر الاجتماعي. كل عراقي سيدفع فاتورة هذا التهجير، سواء عبر الضرائب غير المباشرة أو عبر تردي الخدمات.

تمر القضية المطروحة في هذا التقرير بمرحلة حرجة: فإما أن تتحرك الدولة العراقية (حكومة اتحادية وحكومات محلية) بشكل جاد لاستعادة سيادتها على كامل أراضيها، وحماية مواطنيها أينما كانوا، ورفض أي وجود عسكري تركي غير منسق مع بغداد بشكل رسمي وشفاف، وإما أن تشهد المناطق الشمالية مزيداً من التهجير والتدمير، لتصبح “منطقة محرمة” على سكانها الأصليين إلى الأبد.

على الحكومة العراقية تشكيل لجنة تحقيق مستقلة لمعرفة حجم التعاون المحلي مع الانتهاكات التركية، ومحاسبة المتورطين. ومطالبة مجلس الأمن بوضع آلية دولية لمراقبة الانسحاب التركي من الأراضي العراقية وضمان عودة النازحين طبقاً للقرار 2379 (2017) وقرارات لاحقة.

كذلك تفعيل دور منظمات المجتمع المدني العراقية (غير الحزبية) لتوثيق الانتهاكات ورفع دعاوى قضائية أمام المحاكم المحلية والدولية. وإطلاق حملة إعلامية وطنية لكسر جدار الصمت، تعيد تعريف هذه القضية كهم عراقي مشترك وليس كإشكال إقليمي ضيق.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026