أبعاد قانونية وسياسية لأزمة الموازنة التي هزت البرلمان
في خطوة وصفتها الأوساط البرلمانية والمالية بأنها “خرق دستوري وإداري بامتياز”، أرسلت وزارة المالية العراقية، ممثلة بوزيرتها طيف سامي، جداول الموازنة العامة لسنة 2025 إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء في 28 نيسان 2026، أي بعد انقضاء الربع الأول من السنة المالية المعنية أصلاً. هذا الإجراء أثار موجة انتقادات غير مسبوقة داخل قبة البرلمان، وسط تحذيرات من أن “مهزلة إدارة المال العام” قد تصل بالبلاد إلى أزمة ثقة كاملة مع المؤسسات المالية الدولية.
أولاً: تفاصيل المخالفة – ماذا تقول الوثيقة؟
وفق وثيقة رسمية صادرة عن دائرة الموازنة في وزارة المالية (رقم غير معلن، تاريخ 28 نيسان 2026)، والموقعة من قبل الوزيرة طيف سامي، قامت الدائرة بإحالة:
– جداول الموازنة العامة لسنة 2025.
– جدول تمويل العجز لنفس السنة.
إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء، بغرض إرسالها إلى مجلس النواب للمصادقة عليها. ورغم أن الإجراء قد يبدو “إدارياً” للوهلة الأولى، إلا أن توقيته هو جوهر المشكلة: السنة المالية 2025 قد انتهت فعلياً منذ 31 كانون الأول 2025، والربع الأول من 2026 قد مضى أيضاً.
ثانياً: القراءة القانونية – الغرابي يفجر القنبلة
عضو اللجنة المالية البرلمانية، النائب باسم الغرابي، كان أول المبادرين إلى كشف تفاصيل هذه “التجاوزات”، حيث أصدر بياناً شديد اللهجة، استند فيه إلى نصوص قانونية واضحة:
1. المادة (77/ ثانياً) من قانون الموازنة الثلاثية رقم 13 لسنة 2023 تلزم وزارة المالية بإرسال جداول الموازنة السنوية قبل نهاية السنة المالية السابقة (أي قبل 31 كانون الأول 2024). وإرسال الجداول في نيسان 2026 يعني تأخيراً يزيد على 15 شهراً عن الموعد القانوني.
2. قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم 6 لسنة 2019 (المادة المتعلقة بمبدأ سنوية الموازنة) ينص على أن السنة المالية تبدأ في 1 كانون الثاني وتنتهي في 31 كانون الأول من كل عام، ولا يجوز “إعادة فتحها” بعد إقفال الحسابات الختامية. وبالتالي، فإن مناقشة موازنة 2025 في 2026 هو “عملية عبثية” وفق تعبير الغرابي، لأن الدولة كانت قد أنفقت فعلاً خلال سنة 2025 عبر قانون التمويل المرسل أو التخصيصات الطارئة.
3. التعارض مع مبدأ الفصل بين السنوات المالية: هذا الإجراء يخلق التباساً كبيراً في عمل ديوان الرقابة المالية، حيث سيكون من المستحيل تقريباً إعداد حسابات ختامية دقيقة للسنة المنتهية 2025، بينما لا تزال جداولها قيد النقاش.
ثالثاً: موقف الوزارة – غياب التبرير الرسمي
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تصدر وزارة المالية أي بيان رسمي أو توضيح يشرح الأساس القانوني لإرسال الجداول في هذا الوقت المتأخر. المصادر المالية تشير إلى أن الوزارة كانت تحت ضغط شديد من رئاسة مجلس الوزراء ومكتب رئيس الجمهورية لإنجاز المعاملات المالية المتعلقة بسنوات سابقة، لتفادي توقف كامل للعجلة الحكومية.
لكن المحللين الماليين يعتبرون أن “غياب التبرير” هو اعتراف ضمني بالخطأ، وأن الوزارة تحاول تمرير الجداول “على عجل” قبل أن تنتهي المهلة الدستورية للحكومة الحالية (وهي أيضاً في حالة تصريف أعمال؟) أو قبل أن يتم تشكيل حكومة جديدة قد تلغي كل الجداول.
رابعاً: خطوة الغرابي القادمة – “لن نصوت على المهزلة”
وأكد النائب باسم الغرابي أن: “لجنة المالية ستعقد اجتماعاً طارئاً الأسبوع المقبل لمناقشة هذه الواقعة الخطيرة. سنطالب وزير المالية والوزيرة السابقة طيف سامي بتقديم توضيح قانوني خطي. وفي حال إرسال هذه الجداول إلى البرلمان للمصادقة، سنستخدم كل أدواتنا النيابية لوقف هذا العبث، ولن نصوت عليها تحت أي مبرر”.
وأضاف: “ما يحدث هو محاولة لتوفير غطاء قانوني لإنفاق حصل أصلاً خارج إطار القانون، وهذا يعني تهرباً من المساءلة أمام القضاء وديوان الرقابة المالية. الحكومة تجاوزت صلاحياتها المالية لسنة كاملة، والآن تطلب منا تصحيح الخطأ بالخطأ!”
الموازنة التي تموت في الأدراج
ما يجري في العراق ليس مجرد خطأ بيروقراطي أو تأخير إداري. إنه انعكاس لحالة أعمق من “شلل القرار” وفقدان السيطرة على المال العام في غياب حكومة فاعلة. فعندما تصل جداول موازنة عام 2025 إلى البرلمان في ربيع 2026، فهذا يعني أن الدولة أصلاً كانت تمول نفسها بطريقة “عشوائية” طوال السنة الماضية عبر قوانين طارئة وحسابات مغلقة، مما يجعل أرقام الإيرادات والمصروفات أشبه “بصندوق أسود” لا يعرف كنهه إلا المحافظون على المصالح الخاصة.
نخبة العراق السياسية والمالية لم تعد تخشى من الزمن أو القانون. طالما أن الأموال النفطية تتدفق (ولو بمعدلات أقل)، والمحاصصة هي الحاكمة، فلا أهمية لموعد إرسال الجداول. البلد يدير أمواله كما يدير أفراده “ديونهم الشخصية”: كلما تأخرت، زادت الفوائد، ولكن لا أحد يحاسب.
السؤال الذي تنتظر إجابته الشارع المالية والبرلمان: هل تقود اللجنة المالية حملة حقيقية لكشف المتجاوزين وتقديمهم للمحاكمة، أم أن القصة ستنتهي كعادتها بـ”لوم الوزارة” ثم تمرير الجداول بصمت، وانتظار السنة المالية المقبلة ليتكرر السيناريو نفسه؟
الأيام القادمة تحمل الجواب.



