بين أرقام الفقر وسرقات النخبة، الطبقة العاملة تواجه مفترقاً طرقياً مصيرياً
في صباح يوم الجمعة الأول من أيار 2026، وفيما تتصدر مشاهد الصراع على “المغانم” و”المحاصصة” مشهد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي، ستقف الطبقة العاملة العراقية على مفترق طرق مصيري. تقف أمام خيار صعب بين المطالبة بتحسين أوضاعها المعيشية المتدهورة أو الانخراط في معركة استعادة السيادة الوطنية وإنهاء التدخلات الخارجية. وكما هو معتاد في تاريخ الحركة العمالية العراقية، فإن الإجابة لن تكون بسيطة ولا أحادية.
ففي الوقت الذي تنشغل فيه القوى السياسية في بغداد بتوزير “فلان” و”علان”، يغرق الملايين من العمال والموظفين في دوامة الجوع والتضخم وتردي الخدمات، وسط مشهد سياسي يصفه مراقبون بأنه “شلل كامل” لا تمتلك القوى الفاعلة فيه عصا سحرية تخرق به الجمود، ناهيك عن تلبية متطلبات القوى الإقليمية والدولية المتناحرة في الداخل. السؤال الذي يفرض نفسه على طاولة اليسار العراقي اليوم: كيف سيُحتفل بعيد العمال في ظل هذه الفوضى التي قصمت ظهر العمال العراقيين؟
أزمة غير مسبوقة: المحاصصة تُخرّب الدولة وسوق العمل
يدخل العراق مرحلة حرجة مع تكليف علي الزيدي (مرشح الإطار التنسيقي) مطلع الأسبوع الحالي بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد أكثر من خمسة أشهر على انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 2025. ورغم أن الجدل ما يزال قائماً بين السياسيين حول توصيف “التأخير” بين من يعتبره “انسداداً سياسياً خطيراً” ومن يراه “مخاضاً طبيعياً”، فإن الثابت الوحيد الذي لا خلاف عليه هو ثمن هذا التأخير الباهظ الذي يدفعه المواطن البسيط والعامل يومياً.
وأن “تأخير تشكيل الحكومة له سلبيات كثيرة، أبرزها تعطيل مصالح الشعب وتأخير إقرار الموازنة وتعطيل عمل الوزارات الخدمية”. ما يعني استمرار التدهور في القطاعات الحيوية وزيادة معاناة الملايين الذين يعيشون تحت خط الفقر.
صرخة في وادٍ سحيق: أوضاع العمال تزداد سوءاً
يعيش العمال العراقيون اليوم أسوأ أوضاعهم منذ سنوات، وفق تقارير وتحليلات القوى والاتحادات العمالية. وفي بيانات صادرة عن شخصيات وتيارات يسارية بمناسبة الأول من أيار، يرد وصف دقيق للحالة الكارثية، حيث يشير البيان إلى أن “أوضاع العمال والشغيلة في بلادنا تزداد سوءاً، حيث يتحملون نتائج السياسات الفاشلة لمنظومة المحاصصة المتماهية مع الفساد”، مؤكداً فشلها في “النهوض بالاقتصاد وتخليصه من طابعه الريعي”.
بل أكثر من ذلك، فتفاقم الأزمة الاقتصادية وارتفاع نسب التضخم أديا إلى “تآكل أجور العمال والعاملين في القطاعين العام والخاص وفقدان قيمتها الحقيقية”، ما جعل “ملايين العراقيين تحت مستوى خط الفقر فعلياً، يجاهدون يومياً لأجل لقمة العيش”. هذه الأرقام والنصوص ليست مجرد كلمات في بيانات سياسية، بل تعكس واقعاً يومياً يعيشه أكثر من 10 ملايين عراقي يعتمدون على الأجور والرواتب الحكومية والخاصة كمصدر دخل وحيد.
العمال بين مطالب “البطون” و”السيادة”: هل هناك تناقض؟
هنا يبرز السؤال المركزي الذي يواجه اليسار والنقابات العمالية اليوم: في ظل انقسام المشهد السياسي بين تيارات موالية لإيران وأخرى منفتحة على واشنطن، وانجرار البلاد إلى صراعات إقليمية حادة، إلى أي مدى سيبقى هم العمال منصباً على تحسين ظروفهم المعيشية، أم أن الصخب السياسي والأمني سيدفعهم تحت وطأة الغضب القومي إلى المطالبة باستعادة السيادة وإنهاء التدخلات الأجنبية أولاً؟
تكشف البيانات الصادرة عن القوى اليسارية والاتحادات العمالية بمناسبة الأول من أيار أن الإجابة ستكون “الكل معاً” وليس أحدهما. ففي الوقت الذي يتصدر فيه ملف “غلاء المعيشة وتآكل الأجور” و”سياسات النيوليبرالية المدمرة” مطالب الطبقة العاملة، فإن الحرب الدائرة في المنطقة والتدخلات الإقليمية والدولية لم تغب عن هذه المطالب.
والأكثر دلالة هو أن العديد من هذه القوى اليسارية والنقابية، قد تبنت مبدأ الدمج بين الهمين في خطابها الاحتجاجي للعام 2026. فقد أشارت إلى أن السياسات الفاشلة لمنظومة المحاصصة لم تؤد فقط إلى تردي الأوضاع المعيشية، بل عجزت أيضاً عن “تحقيق استقرار سياسي يساهم في بناء دولة قوية وتنمية شاملة، حيث عجزت عن حصر السلاح المنفلت واحترام آليات التداول السلمي للسلطة”.
هذا الخطاب يربط بشكل حميم بين ما هو معيشي يومي وما هو سيادي قومي، وكأنه يقول للسلطة: “لا يمكن الحديث عن السيادة وإنهاء التدخلات الخارجية وانت تستنزف أموال الريع في مشاريع فاسدة ومحاصصة طائفية وتجوع الملايين”. وبالتالي، فإن العمال العراقيين، وفق رؤية اليسار، سيخرجون في الأول من مايو/أيار ليصرخوا بوجه واحد: “لا لسرقة الريع ولا للتدخلات الخارجية”. وأنّ “القضيتين وجهان لعملة واحدة تُدعى تحرر العراق من كل اشكال الاستغلال والتبعية”.
ماذا عن فعاليات اليوم؟ بين الثقافة والنضال في وسط بغداد
ومع إعلان الحكومة أن العطلة الرسمية في يوم العمال 2026 ستكون يوم الجمعة 1 مايو، والذي صادف يوم عطلة أسبوعية مما أثار جدلاً واسعاً، يتجه الأنظار إلى الفعاليات الجماهيرية المبرمجة.
معادلة صعبة في زمن الفشل
علي الزيدي الذي بدأ للتو مشاوراته مع أقطاب الإطار المالكي والعامري والحكيم يحاول الإسراع في تشكيل حكومة وطنية. لكن المعادلة التي يواجهها أكبر من طاقته: ففي الخارج، توترات إقليمية حادة وحرب مفتوحة تهدد بإغراق المنطقة. وفي الداخل، شعب غاضب يئن تحت وطأة الفقر وتآكل الأجور، ونظام محاصصة فاسد يستنزف موارد البلاد.
السؤال الذي يطرحه اليسار العمالي اليوم على الطبقة العاملة ليس خياراً بين “البطون” و”السيادة”، بل هو استنتاج موضوعي: لن يستعيد العراق سيادته ولا هويته الجامعة ما لم ينقذ اقتصاده ويطرد الفساد ويقطع يد المحاصصة ومشاريعها الفاشلة التي تقتل الأجنة قبل أن تولد. وإن معركة “الخبز والسيادة” هي معركة واحدة، وخيارات العمال في هذا اليوم ستقول الكثير عن مستقبل البلاد.



