• Home  
  • صراع الأجيال القادمة: لماذا تتجه واشنطن وطهران نحو حرب استنزاف مفتوحة
- تقارير دولية

صراع الأجيال القادمة: لماذا تتجه واشنطن وطهران نحو حرب استنزاف مفتوحة

في تحليل معمق نشره الكاتب والمحلل السياسي المخضرم مايكل هيرش في مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) المرموقة، يطرح رؤية مفادها أن الولايات المتحدة وإيران تقفان على أعتاب مرحلة جديدة من المواجهة، قد لا تكون مجرد حرب تقليدية محدودة، بل صراعاً طويل الأمد ومفتوحاً. يستند هيرش في تحليله إلى عاملين رئيسيين: أولاً، تشدد القيادة الإيرانية الجديدة […]

في تحليل معمق نشره الكاتب والمحلل السياسي المخضرم مايكل هيرش في مجلة “فورين بوليسي” (Foreign Policy) المرموقة، يطرح رؤية مفادها أن الولايات المتحدة وإيران تقفان على أعتاب مرحلة جديدة من المواجهة، قد لا تكون مجرد حرب تقليدية محدودة، بل صراعاً طويل الأمد ومفتوحاً. يستند هيرش في تحليله إلى عاملين رئيسيين: أولاً، تشدد القيادة الإيرانية الجديدة التي يهيمن عليها قادة الحرس الثوري المخضرمون، وثانياً، فشل واشنطن المتراكم في بلورة مسار تفاوضي مستقر وواضح المعالم منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018. هذا التحليل يأتي في وقت حساس، حيث تتجاوز الحرب الأميركية – الإيرانية المباشرة شهرها الثالث، دون أفق سياسي واضح.

يشير هيرش إلى أن الديناميكيات الداخلية في كل من طهران وواشنطن تغيرت بشكل جذري مقارنة بفترة المفاوضات النووية (2013-2015). ففي الجانب الإيراني، لم يعد التيار الإصلاحي الذي كان يمثله الرئيس الأسبق حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف قادراً على التأثير في صنع القرار. وقد حل محله جيل جديد من القادة العسكريين – السياسيين الذين نشأوا في رحاب الحرب الإيرانية – العراقية (1980-1988)، ويتزعمهم شخصيات مثل محسن رضائي (الأمين العام السابق لمجمع تشخيص مصلحة النظام والقائد السابق للحرس الثوري). هؤلاء يعتبرون أن “الصبر الاستراتيجي” الذي ميز سياسة إيران خلال العقدين الماضيين لم يؤد إلا إلى خسائر متراكمة، وأن الوقت قد حان لتبني “الردع الهجومي” بدلاً من “المرونة الدفاعية”.

من المفارقات اللافتة التي يبرزها التحليل، أن الضربات العسكرية الأميركية والإسرائيلية المكثفة ضد مواقع إيرانية (خاصة منذ شباط/فبراير 2026) لم تؤد إلى إضعاف الحرس الثوري كما كانت تأمل واشنطن، بل عززت شرعيته الداخلية وهيمنته على مفاصل الدولة. ففي أعقاب الحرب، تم تعيين قيادات من الحرس الثوري في مناصب مدنية رئيسية، بما في ذلك حكام محافظات استراتيجية في محافظة خوزستان الغنية بالنفط ومنطقة سيستان وبلوشستان المتاخمة لباكستان. كما أن تدفق التبرعات الشعبية لقوات “باسداران” (الحرس الثوري) ارتفع بنسبة تقديرية 40% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، وفق مصادر غير رسمية، مما يعكس تحول المشاعر الوطنية الإيرانية نحو تأييد الصمود العسكري.

يرى هيرش أن إيران اليوم تمتلك ما يمكن تسميته “القوة المعيقة” (Asymmetric Deterrence) بشكل لم يسبق له مثيل. أبرز هذه الأوراق هي السيطرة غير المباشرة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 20% من النفط الخام العالمي و30% من الغاز الطبيعي المسال. ورغم أن الولايات المتحدة تعزز وجودها البحري في المنطقة، إلا أن القدرة الإيرانية على استهداف ناقلات النفط باستخدام الزوارق السريعة والألغام البحرية والصواريخ المضادة للسفن (بما في ذلك صواريخ “خليج فارس” الباليستية المضادة للسفن) تظل تهديداً وجودياً للاقتصاد العالمي.

يحلل الكاتب ما أسماه “فجوة الفهم الاستراتيجي” بين صانعي القرار في واشنطن والقيادة الإيرانية الحالية. فمعظم الخبراء الأميركيين الذين صاغوا سياسة “الضغط الأقصى” انطلقوا من فرضية أن العقوبات والعزلة ستجبر إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف. لكن ما حدث هو العكس تماماً. القيادة الإيرانية الجديدة، التي يقودها “المخضرمون” الذين خاضوا حرباً مدمرة استمرت ثماني سنوات ضد العراق (بدعم غربي آنذاك)، لديها قدرة عالية على تحمل الخسائر البشرية والمادية. وهم يراهنون على أن “صبر طهران أطول من صبر ترامب”، خاصة مع اقتراب نهاية ولاية ترامب الثانية في كانون الثاني (يناير) 2029، واحتمال وصول إدارة ديمقراطية قد تتبنى نهجاً مختلفاً.

يستشهد هيرش بتصريح غير معلن لأحد كبار مستشاري المرشد الخلف (علي خامنئي – قبل مقتله) مفاده: “نحن شعب تعود على الألم لأربعين عاماً. أما الأميركيون فلا يتحملون حتى ارتفاع سعر البنزين لثلاثة أسابيع”.

يخلص هيرش إلى أنه في ظل هذه المعطيات، فإن الولايات المتحدة تتجه لا إرادياً نحو “حرب طويلة الأمد” مع إيران، ليس بالمعنى الكلاسيكي لحرب الخنادق، بل بحرب استنزاف غير متماثلة تشمل:

– الهجمات السيبرانية المتبادلة (استهداف البنية التحتية النفطية والموانئ).

– الحرب عبر الوكلاء (الميليشيات الموالية لإيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن ضد المصالح الأميركية والإسرائيلية).

– المواجهات البحرية المحدودة في الخليج العربي وبحر العرب.

– الحرب الاقتصادية عبر العقوبات الثانوية التي تطال أي طرف يتعامل مع إيران.

هذا النمط من الصراع لا يقدم “نصراً حاسماً” لأي طرف، لكنه يستنزف الموارد الأميركية (العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية) بشكل مطرد، بينما تظل إيران قادرة على البقاء بفضل اقتصاد المقاومة واكتفائها الذاتي النسبي.

في قراءة مستقبلية، يرى هيرش أن المخرج الوحيد من هذا المسار التصادمي قد لا يأتي من واشنطن أو طهران مباشرة، بل من ضغوط خارجية (مثل الصين والاتحاد الأوروبي ودول الخليج) التي تتضرر بشدة من استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة. ربما تكون بكين، التي تستورد كميات كبيرة من النفط الإيراني المخفض، في موقع يسمح لها بدفع الطرفين نحو “هدنة إجبارية”. لكن حتى ذلك الحين، يبدو أن عبارة “لا نصر ولا هزيمة” التي أطلقت على حرب فيتنام قد تعود إلى الواجهة في سياق الخليج العربي.

الولايات المتحدة تواجه اليوم إيران مختلفة تماماً عن إيران عام 2015. إنها إيران أكثر تشدداً وأكثر ثقة بقدرتها على تحمل الألم، وأكثر إيماناً بأن الاستراتيجية الأميركية تقوم على إطالة أمد الصراع حتى يكل الخصم. وفي هذا السباق، يبدو أن “صبر طهران” هو الرهان الأقوى حتى اللحظة.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026