تمثل زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين، الأولى لرئيس أميركي منذ سبع سنوات (2017-2026)، منعطفاً حرجاً في مسار العلاقات الثنائية بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم. تأتي القمة في لحظة تشهد فيها الساحة الدولية انزياحاً نحو مزيد من التفتت الجيوسياسي، مع حرب إقليمية مشتعلة في الخليج العربي، وسباق تكنولوجي محموم حول الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، وتصاعد لهجة المواجهة حول تايوان. اختيار ترامب لمرافقيه من كبار المديرين التنفيذيين لشركات “إنفيديا” و”تيسلا” و”آبل” يكشف عن أولوية واضحة للبعد الاقتصادي، لكنه في الوقت نفسه يضع هذه الشركات في قلب عاصفة جيوسياسية قد تعيد تعريف قواعد اللعبة العالمية.
هذه الزيارة ليست فقط الأولى له منذ ولايته الأولى عام 2017، بل إنها تجسد تحولاً في فلسفة الدبلوماسية الأميركية تجاه الصين، من منهج “الفصل الاستراتيجي” الذي تبنته إدارة بايدن (2021-2025) إلى منهج “الربط التنافسي” الذي يعيد ترامب إحياءه. وقد تأجلت الزيارة التي كانت مقررة في آذار (مارس) 2026 بسبب اندلاع الحرب الأميركية – الإيرانية، مما يشير إلى أن واشنطن كانت تنتظر لحظة تتيح لها التفاوض من موقع قوة نسبية، سواء عبر الميدان أو العقوبات.
يذكر أن آخر قمة رئاسية أميركية – صينية عقدت في واشنطن في تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 على هامش قمة مجموعة العشرين، لكنها لم تسفر عن أي اختراق، بل عززت قناعات الجانبين بعدم جدوى الحوار دون ضغط ميداني واقتصادي.
في لفتة غير مسبوقة من حيث التوقيت، صعد إلى الطائرة الرئاسية أثناء توقفها في قاعدة إلمندورف – ريتشاردسون الجوية في ألاسكا، جنسن هوانغ، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “إنفيديا”، التي تبلغ قيمتها السوقية نحو 2.5 تريليون دولار، وتعد عماد صناعة رقائق الذكاء الاصطناعي عالمياً. يحظر على الصين حالياً بموجب قواعد وزارة التجارة الأميركية استيراد رقائق إنفيديا المتطورة من فئة H100 وB200، وهو حظر تبرره واشنطن بـ”حماية الأمن القومي” ومنع وصول تقنيات حساسة إلى جيش التحرير الشعبي الصيني.
الملفات الشائكة على طاولة القمة:
الملف الأول: التجارة والتكنولوجيا (فخ ثوسيديدس الرقمي):
تدير الصين فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة بلغ عام 2025 نحو 382 مليار دولار، وهو رقم يرفض ترامب قبوله. من المتوقع أن يطرح الرئيس الأميركي حزمة جديدة من الرسوم الجمركية الانتقامية على السلع الصينية في حال عدم تحقيق تقدم في خفض العجز. لكن المفارقة أن الصين أصبحت اليوم أقل اعتماداً على السوق الأميركية مما كانت عليه عام 2017، بفضل مبادرة “الحزام والطريق” واتفاقية RCEP (الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة) التي عززت التجارة داخل آسيا.
الملف الثاني: الحرب في إيران وتداعياتها على أمن الطاقة الصيني:
الصين هي أكبر مستورد للنفط الخام من إيران (نحو 1.2 مليون برميل يومياً قبل الحرب). ورغم أن بكين تعلن حيادها، فإنها استمرت في شراء النفط الإيراني عبر آليات مقايضة ومنصات مالية بديلة (مثل نظام CIPS الصيني). ترامب يريد من شي جينبينغ التوقف عن هذا الدعم الاقتصادي غير المباشر لإيران، في مقابل وعود أميركية بعدم استهداف المصالح الصينية في الخليج. لكن بكين تنظر إلى طهران كشريك استراتيجي في محور “تحدي الهيمنة الأحادية”، مما يجعل التنازل عنها مكلفاً سياسياً.
الملف الثالث: تايوان – الخط الأحمر النووي:
تظل قضية تايوان الأخطر. في الأشهر الستة الماضية، كثفت إدارة ترامب مبيعات الأسلحة إلى تايبيه، بما في ذلك أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى، في حين أجرى جيش التحرير الشعبي الصيني مناورات “الجزيرة المحاصرة” مرتين في مضيق تايوان. التوقعات تشير إلى أن ترامب سيعيد التأكيد على “سياسة الغموض الاستراتيجي” (عدم الوعد بالتدخل العسكري بشكل قاطع، وعدم نفي ذلك)، بينما سيطلب شي جينبينغ من ترامب الالتزام الصارم بمبدأ الصين الواحدة وعدم دعم استقلال تايوان بحكم الواقع. أي خرق لهذا التوازن قد يؤدي إلى أزمة غير مسبوقة.
سينارهات القمة المتوقعة:
– السيناريو الأول (الأكثر ترجيحاً 50%): إعلان “شكل من أشكال الشراكة الاقتصادية الجديدة” مع تجنب التصريحات القوية حول تايوان وإيران. توافق ضمني على تخفيف قيود الرقائق مقابل زيادة الصين لمشترياتها من السلع الزراعية والطاقة الأميركية، مع تأجيل القضايا الخلافية إلى قمم لاحقة.
– السيناريو الثاني (احتمال 30%): فشل نسبي – بيان ختامي ضبابي، انسحاب ترامب المبكر من بكين دون توقيع أي اتفاقيات، ثم تصعيد لاحق عبر رسوم جمركية جديدة على السلع الصينية، مما قد يؤدي إلى حرب تجارية ثانية.
– السيناريو الثالث (احتمال 15%): اختراق غير متوقع – اتفاق مبدئي حول خفض التوتر في مضيق تايوان مقابل تجميد الصين لمشترياتها النفطية من إيران لمدة 90 يوماً، مع إعلان مشترك حول “مبادئ المنافسة المسؤولة في مجال الذكاء الاصطناعي”.
– السيناريو الرابع (احتمال 5% فقط – لكنه الأخطر): انهيار كامل للمفاوضات، واتهامات متبادلة بالخيانة، ثم تزامنه مع حادثة عسكرية في بحر الصين الجنوبي خلال أيام من القمة.
تمثل زيارة ترامب لبكين حالة كلاسيكية من “معضلة الأمن والازدهار” في العلاقات الدولية الكبرى. فبينما تحتاج واشنطن إلى الأسواق الصينية وسلاسل التوريد الصينية للحفاظ على نموها، وهي في حاجة أيضاً إلى التعاون الصيني لاحتواء التداعيات الثانوية لحرب إيران (مثل ارتفاع أسعار النفط وعدم استقرار مضيق هرمز)، فإن بكين من جهتها تسعى إلى تأمين فضاء تكنولوجياً وتجارياً يسمح لها بتجاوز “فخ الدخل المتوسط” وتحقيق الهدف 2049 (مئوية تأسيس الجمهورية).
في النهاية، ستبقى عيون العالم مسلطة على قاعة الاجتماعات في قاعة الشعب الكبرى في بكين. النصر الحقيقي لأي من الطرفين لن يُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتهما على تجنب تحويل المحيط الهادئ إلى مسرح لحرب باردة جديدة، أو ساخنة قد تكون الأخطر منذ كوبا 1962.



