- رأي ومقالات

حلبجة ضحية الفكر القومي اللاإنساني

عمر أبو معصومة حلبجة مدينة سياحية جميلة وخلاّبة، يعيش فيها الناس في استقرار وأمان. هذه المدينة ليست ثكنة عسكرية أو معسكراً لقوة مسلحة، بل كانت مدينة عراقية مسالمة يعيش فيها الجميع بحرية واستقرار. لا يوجد في هذه المدينة أي صراعات سياسية أو قومية أو طائفية، بل كانت إحدى مدن العراق التي توصف بأنها من أجمل […]

عمر أبو معصومة

حلبجة مدينة سياحية جميلة وخلاّبة، يعيش فيها الناس في استقرار وأمان. هذه المدينة ليست ثكنة عسكرية أو معسكراً لقوة مسلحة، بل كانت مدينة عراقية مسالمة يعيش فيها الجميع بحرية واستقرار. لا يوجد في هذه المدينة أي صراعات سياسية أو قومية أو طائفية، بل كانت إحدى مدن العراق التي توصف بأنها من أجمل المدن، وهي جزء من الفكر المتحضر والمتمدن.

ولكن الفكر القومي المتخلِّف واللاإنساني استهدف مدينة حلبجة من خلال طائرات حربية عراقية قصفت هذه المدينة بتاريخ 16 و17 من مارس/آذار 1988 بالأسلحة الكيماوية. وقد أدى هذا القصف إلى إبادة السكان، حيث قُتل أكثر من 5000 شخص، بل أكثر بكثير من هذا الرقم. وجميع ضحايا هذا الإرهاب القومجي هم من النساء والشيوخ والأطفال. كما ترك هذا الهجوم آثاراً وأمراضاً بين سكان هذا المجتمع، منها أمراض جرثومية وسرطانية، مما أدى إلى سقوط ضحايا جدد نتيجة هذه الأمراض التي خلّفها القصف الكيماوي على مدينة لا علاقة لها بما يجري من حروب بين العراق وإيران. علماً أن عدد سكان هذه المدينة بلغ 145 ألف نسمة حسب آخر إحصاءات عام 2025.

إن الفكر المتطرف الذي لا يزال يمارس الكراهية والحقد تجاه مجموعة من الناس لمجرد أنهم ينطقون باللغة الكردية، والكرد لهم الحق في العيش وتقرير المصير بما يتناسب مع ظروف هذه المنطقة.

إن الصراع القومي المتخلِّف لم ينتهِ حتى الآن في الشرق الأوسط، وكذلك ما يجري في تركيا من قمع لملايين الأكراد لأنهم يطالبون بحقوقهم المشروعة التي تنطلق من مبدأ حقوق الإنسان، والعيش بحرية، وبناء مجتمع ديمقراطي. ولهم الحق في أن يتكلموا بلغتهم التي هي حق مشروع أيضاً، والمطالبة بتغيير الدستور من أجل إثبات حقوقهم المشروعة، وهذا جزء أساسي للعيش بدون حروب.

كذلك، ما يجري في سوريا لا يختلف تماماً عن الفكر المتطرف، مثل أفكار داعش، والكراهية، والأيديولوجية المتخلِّفة لنظام الإسلام السياسي الذي يزرع الطائفية ويقتل من يختلف معه في هذا المبدأ والنهج. إن الكراهية للآخرين أصبحت مشروعاً يعيش في أذهان قوى القومجية والإسلام السياسي، وفي عقلية الجولاني الذي يمارس الطائفية بشتى أنواعها ويجعلها سلوكاً ومبدأً لنظام متطرف في سوريا. وكذلك نفس التفكير، بل أكثر تخلفاً، لتصفية القضية الكردية في كردستان إيران، حيث لا يؤمنون إطلاقاً بالفكر الآخر، بل يذهبون إلى التطرف في كل صنوفه المتخلِّفة واللاإنسانية.

إذاً، قضية حلبجة لها امتدادات وفكر يعيش في ظل الإرهاب المستمر.

وفي كردستان العراق، لا يزال الصراع يدمر الوجود الإنساني، ويصنف الإنسان على أساس القومية والمذهب والصراع الطائفي، لا على أساس الديمقراطية ومنح الشعوب حريتها وفق اختياراتها.

حلبجة هي رابع محافظة في إقليم كردستان، بعد أن أقر برلمان كردستان جعلها محافظة أخرى ضمن الإقليم، ولكن الصراع السياسي مع الحكومة الاتحادية وطرح الموضوع في البرلمان العراقي في بغداد لم يؤدِ إلى تأييد قرار برلمان كردستان. وهذا يعطي تصورات مريضة، كما حدث في سنة 1988 نتيجة عقلية صدام الذي يؤمن دائماً بتصفية الآخرين حينما يطرحون آراءهم ومبادئهم وأفكارهم، فإن هذا المجرم لا يمتلك إلا التصفية الجسدية وقتل الآخرين.

كل ما يجري في منطقتنا هو إرث يعيش على الكراهية والتعصب القومي الشوفيني الذي أورثتنا إياه الأنظمة، سواء كان نظاماً إسلامياً سياسياً أو نظام القومجية أو الجهل والتخلُّف في الصراعات الطائفية.

تبقى حلبجة حمامة سلام ومحبة وتعايش بين الناس على مختلف آرائهم السياسية وعلى مختلف مبادئهم التي ينتمون إليها، ولا يوجد هناك تمييز قومي أو ديني أو مذهبي. هذه رسالة واضحة أن المبادئ والقيم الإنسانية لا يمكن إبادتها، كما حصل في 16 و17 مارس/آذار 1988.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026