في تطور خطير يرجّح كفة المواجهة المفتوحة، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، بدء تنفيذ حصار بحري شامل على جميع السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإيرانية، ليشمل الساحل الإيراني كاملاً من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. وجاء هذا القرار بعد ساعات فقط من انهيار المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، والتي استمرت نحو 21 ساعة، وفشلت بسبب تمسك إيران ببرنامجها النووي ورفضها تفكيك مخزونها الصاروخي، في مقابل إصرار أمريكي على تجريدها من أي قدرة على تخصيب اليورانيوم.
مفاوضات “الماراثون”.. انهيار واتهامات متبادلة
المفاوضات التي جمعت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ونائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، وصفت بأنها كانت “على بعد خطوات قليلة” من التوصل إلى مذكرة تفاهم، لكنها تعثرت في اللحظات الأخيرة. فانس اعترف لاحقاً بأن الوفد الإيراني “شديد المراس”، إلا أن خطواته لم تكن كافية لإرضاء واشنطن. في المقابل، اتهم عراقجي الجانب الأمريكي بـ”التشدد وتغيير الأهداف”، مؤكداً أن بلاده انخرطت بحسن نية لإنهاء الحرب. وبعد فشل المفاوضات، غادر فانس على متن طائراته، وأعلن ترامب عبر شبكته الاجتماعية قرار الحصار قبل حتى جلسة الإحاطة في البيت الأبيض، في رسالة واضحة بأن واشنطن لن تنجر إلى مفاوضات طويلة دون نتائج.
الحصار: آلية تنفيذ غامضة وخطوط حمراء
أصدرت القيادة المركزية الأمريكية إشعاراً للبحارة، اطلعت عليه وكالة “رويترز”، تؤكد فيه فرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب شرقي مضيق هرمز، على أن تسري هذه السيطرة اعتباراً من الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش من يوم الاثنين. الإشعار كان حاسماً: “أي سفينة تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ستكون معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز”. كما أوضحت القيادة المركزية أن السيطرة لن تعوق حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من وإلى وجهات غير إيرانية.
تتركز القوة البحرية الإيرانية في مضيق هرمز والجزر الإستراتيجية المحيطة به، مما يمنح طهران قدرة على السيطرة على حركة الملاحة في أضيق نقاط الاختناق. ويقسم الحصار الساحل الإيراني إلى ثلاث مناطق عملياتية متميزة: الموانئ داخل الخليج، ومحيط مضيق هرمز بخصوصيته البالغة، والموانئ الواقعة خارج المضيق كـ”تشابهار” و”جاسك” التي تمثل المنفذ الإيراني البديل على بحر العرب.
ردود فعل دولية: الصين تتصدر المشهد
تصاعدت حدة ردود الفعل الدولية، وعلى رأسها الموقف الصيني. بكين التي تعتبر أكبر زبون للنفط الإيراني (تمثل وارداتها من إيران حوالي 14% من إجمالي وارداتها)، شددت على ضرورة ضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز، مطالبة جميع الأطراف بالالتزام بوقف إطلاق النار وضبط النفس. وزير الدفاع الصيني أعلن بوضوح: “لدينا اتفاقيات تجارية وطاقوية مع إيران، ونطلب من الآخرين عدم التدخل في شؤوننا. مضيق هرمز مفتوح لنا”. في تطور لافت، نفت الصين رسمياً تقارير عن اعتزامها تقديم دعم عسكري لإيران، مؤكدة أنها تتبنى موقفاً “حكيماً ومسؤولاً” تجاه الصادرات العسكرية.
أما إسرائيل، فأعلنت دعمها للحصار، بينما سعت إيران إلى حشد الدعم الدبلوماسي عبر اتصالات هاتفية أجراها وزير خارجيتها عراقجي مع نظيريه السعودي والقطري والفرنسي، لمناقشة آخر التطورات والمفاوضات.
هل الحصار مقدمة لاجتياح بري؟
يتفق المحللون العسكريون على أن الحصار البحري هو خطوة أولى، لكن السيناريوهات العسكرية المحتملة تتدرج إلى ثلاث خيارات رئيسية:
السيناريو الأول: عملية برية محدودة تستهدف الاستيلاء على المنشآت النووية الإيرانية أو تدمير مخازن اليورانيوم المخصب. ترامب يعتبر البرنامج النووي الإيراني “خطراً وجودياً”، وسحب اليورانيوم المخصب من أصفهان يُعد هدفاً استراتيجياً واضحاً.
السيناريو الثاني: احتلال مؤقت لمدينة ساحلية إيرانية على الخليج لإنشاء “منطقة آمنة” تسمح بالسيطرة على المضيق دون الحاجة إلى تعاون طهران، كما تدرس الإدارة الأمريكية خيارات السيطرة على الجزر الإستراتيجية مثل جزيرة “خرج”.
السيناريو الثالث: الغزو الواسع النطاق بهدف تغيير النظام في طهران، وهو الأكثر كلفة والأقل احتمالاً، لكنه يبقى وارداً إذا شعر ترامب أن الحصار وحده لن يحقق أهدافه.
انعكاسات اقتصادية مدمرة
أسعار النفط كانت أول الضحايا. فور الإعلان عن الحصار، قفزت الأسعار بأكثر من 8% لتتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، مع صعود خام برنت إلى نحو 104 دولارات. بعض التقارير أشارت إلى أن الأسعار الفورية تجاوزت مستوى 150 دولاراً للبرميل الواحد في تعاملات الاثنين. أما الغاز الأوروبي فارتفعت عقوده المستقبلية بنسبة 18%.
خبير عسكري إستراتيجي أوضح أن إيران تمتلك منظومة صواريخ بحرية من طرازي “كروز” و”نور” يصل مداها إلى 200 كيلومتر، قادرة على استهداف القطع البحرية الأمريكية في بحر العرب. وتوعد الحرس الثوري الإيراني بأن “العدو سيعلق في دوامة قاتلة” في حال فرض الحصار، فيما أعلنت وزارة الدفاع الإيرانية أنها “مستعدة لكافة السيناريوهات” وسترد “بشكل قوي وحاسم على أي عدوان”. المتحدث باسم مقر “خاتم الأنبياء” المركزي، إبراهيم ذو الفقاري، أكد أن “أي تهديد للموانئ الإيرانية سيجعل كل موانئ الخليج الفارسي وبحر عمان غير آمنة”.
بين انهيار المفاوضات وبدء الحصار، تقف المنطقة على حافة الهاوية. مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس إمدادات النفط العالمية لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل أصبح ساحة مواجهة مفتوحة قد تحسم بالقوة العسكرية لا الدبلوماسية. السؤال الأهم الذي تطرحه الأيام القادمة: هل سينجح الردع الدبلوماسي في فتح نافذة للحل قبل أن تتحول طلقات التحذير إلى قنابل تغير ملامح الشرق الأوسط بأكمله؟



