مع اشتعال المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، دخل العراق مجددًا في دائرة الصراع الإقليمي، ليس كطرف مقاتل، بل كأكبر المتضررين اقتصادياً ولوجستياً. فبعد 15 يومًا من العمليات العسكرية، يعاني العراق من شلل شبه كامل في قطاعه النفطي الحيوي، واضطراب حاد في أسعار السلع والخدمات، إلى جانب انهيار جزئي في قيمة العملة. ويُعد إقليم كردستان أكثر المناطق تضررًا، حيث تجاوزت خسائر الشركات النفطية الأجنبية 11 مليار دولار، وسط عجز بغداد عن إيجاد بدائل سريعة لتصدير النفط.
أولاً: القطاع النفطي – شلل يكلف مليارات الدولارات يومياً
– يمثل النفط نحو 90% من إيرادات العراق.
– انخفض التصدير من 4 ملايين برميل يومياً إلى أقل من 250 ألف برميل.
– الخسارة اليومية المقدرة: 128 مليون دولار (بافتراض سعر 80 دولارًا للبرميل)، في حين يتجاوز السعر العالمي 100 دولار، مما يضاعف الخسائر الفعلية.
– الإيرادات الشهرية المعتادة (قبل الأزمة) كانت تقارب 7 مليارات دولار، وهو ما يعني خسائر تراكمية تقدر بعشرات المليارات حال استمرار الأزمة.
ثانياً: تداعيات إنسانية ومعيشية فورية. لكل من يتابع أو ملم بالأزمات التي تضرب أي مكان، يعلم أنه لها تداعيات على الناس بشكل مباشر وفي كل القطاعات اليومية والخدمية التي تمس المواطن. حيث من أهم أو أكثرها تأثراً هو:
– الكهرباء: انقطاع لساعات طويلة يومياً.
– التعليم: تعطّل الدراسة في معظم المحافظات.
– الغذاء: صعوبة في تأمين السلع الأساسية، مع ارتفاع الأسعار.
– النفسي والاجتماعي: تدهور الحالة النفسية للسكان بسبب تردّي الخدمات وارتفاع الضغوط المعيشية.
– رواتب الموظفين: تأخر صرفها بشكل شهري، خاصة في إقليم كردستان.
ثالثاً: المؤشرات النقدية والتضخم
– انخفاض قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار.
– ارتفاع التضخم إلى 1.5% (وهو رقم أولي، ويتوقع أن يرتفع مع استمرار الأزمة).
– تضاعفت أسعار السلع والبضائع المستوردة.
رابعاً: قطاع الطيران والسياحة والتجارة
– تعليق الرحلات الجوية يكبّد العراق خسائر يومية تقدر بـ 270 ألف دولار.
– خلال 10 أيام فقط: 3 ملايين دولار.
– تقديرات لشهر كامل: قد تصل إلى 9 مليون دولار.
خامساً: إقليم كردستان – الضحية الأكبر
– خسائر استثمارية للشركات الأجنبية: تجاوزت 11 مليار دولار.
– توقف شركات كبرى مثل DNO النرويجية وGulf Keystone البريطانية بسبب الهجمات الصاروخية والمسيرات من جماعات موالية لإيران.
– انخفاض إنتاج النفط في الإقليم من 280 ألف برميل يومياً إلى 81 ألف برميل.
– تراجع الاستثمارات بنحو 400 مليون دولار بشكل مباشر.
سادساً: الخيارات الصعبة أمام بغداد
طلب رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من إقليم كردستان تصدير 100 ألف برميل يومياً عبر ميناء جيهان التركي، لكن الإقليم لم يرد بعد. أمام العراق خياران آخران، وكلاهما شائك:
1. النقل عبر الأردن بواسطة الصهاريج (مكلف وبطيء).
2. القبول بالمقترح الإيراني بالتصدير عبر مضيق هرمز، بشرط ألا يصل النفط إلى إسرائيل أو أمريكا (مقيد سياسياً).
ولكن في الأخير وافقت أربيل على تصدير النفط إلى تركيا.
تكشف الأزمة الحالية عن هشاشة هيكل الاقتصاد العراقي، واعتماده شبه الكلي على النفط، وغياب بدائل فعلية للتصدير. كما تبرز حالة التقصير المشترك بين الحكومة الاتحادية وسلطات إقليم كردستان في بناء اقتصاد متنوع قادر على الصمود أمام الصدمات الإقليمية. دون إصلاح جذري، سيظل العراق رهين أي نزاع في الخليج أو مضيق هرمز.
حلول مقترحة لانتشال العراق من الفوضى الاقتصادية
بعد تحليل حجم الانهيار، لا يمكن الاكتفاء بسرد المشكلات. فيما يلي خارطة طريق واقعية، تعتمد على أولويات عاجلة وأخرى هيكلية:
أولاً: الحلول العاجلة
1. تفعيل خط بديل لتصدير النفط فورًا:
– اعتماد خيار النقل عبر الصهاريج إلى ميناء العقبة الأردني، مع توفير حماية أمنية دولية للقوافل، وتحمل الحكومة فارق التكلفة مقابل الحفاظ على الإيرادات.
– البدء بمفاوضات سريعة مع تركيا لضخ كميات محدودة من نفط كردستان عبر خط جيهان، مقابل ضمانات أمريكية بعدم استهداف الخط.
2. معالجة التضخم وسعر الصرف:
– ضخ سيولة من الاحتياطي النقدي (الذي لا يزال عند مستويات جيدة نسبيًا، نحو 100 مليار دولار بحسب تقارير سابقة) للسيطرة على سعر الدولار في السوق الموازي.
– فرض تسعيرة جبرية مؤقتة على السلع الأساسية (الطحين، الحليب، الأدوية) مع دعم مباشر للأسر الأكثر فقرًا عبر بطاقات ذكية.
ثانياً: حلول متوسطة المدى
1. التنويع الفعلي لمصادر الدخل (ليس شعارات):
– إطلاق مبادرة وطنية لـ الزراعة التعاقدية في محافظات الجنوب (البصرة، ميسان) لإنتاج القمح والخضروات، بخفض دعم الأسمدة والمبيدات مقابل توريد المحصول للحكومة. هذا سيقلص فاتورة الاستيراد الغذائي التي تزيد عن 12 مليار دولار سنويًا.
– إعادة تأهيل مصفى بيجي ومصافي كردستان الصغيرة لتكرير النفط محليًا، وتحويل العراق إلى مصدر للمنتجات النفطية (زيت الوقود، الديزل) بدلاً من استيرادها.
2. حل جذري لأزمة إقليم كردستان:
– توقيع اتفاقية إطارية طويلة الأجل بين بغداد وأربيل تضمن:
– تصدير 400 ألف برميل يومياً من نفط الإقليم عبر شركة تسويق عراقية موحدة (SOMO) مع احتفاظ الإقليم بحصة 15% من الإيرادات.
– تسوية متأخرات رواتب الموظفين عبر قرض ميسر من بغداد يُسدّد من حصة الإقليم النفطية لاحقًا.
– إشراك الإقليم في مفاوضات الغاز الطبيعي مع إيران وتركيا لتثبيت سعر توريد الغاز.
3. إنشاء صندوق مواجهة الطوارئ الاقتصادية:
– تخصيص نسبة 5% من الإيرادات النفطية (حين تعود) لصندوق استثماري سيادي طارئ، يُستخدم فقط في حالات الحروب أو إغلاق المضائق، على غرار صندوق الثروة السيادي النرويجي.
ثالثاً: حلول استراتيجية
1. الثورة اللوجستية: إنشاء ممر بري – بحري بديل:
– بالتعاون مع الأردن وسوريا (عبر مفاوضات سياسية)، إنشاء طريق بري معبّد من كركوك إلى اللاذقية السورية، لنقل النفط والسلع بتكلفة أقل من الصهاريج. هذا يحتاج لضمانات دولية وأممية، لكنه سيكون منقذًا في أي أزمة قادمة في هرمز أو جيهان.
2. إصلاح نظام الدعم الحكومي:
– استبدال دعم الطاقة المعمّم (الذي يكلف 30 مليار دولار سنويًا، ويستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء) بـ دعم نقدي مشروط يُصرف عبر بطاقة التموين الإلكترونية، مع رفع الأسعار تدريجيًا. هذا سيوفر ما لا يقل عن 10 مليارات دولار سنويًا يمكن توجيهها للاستثمار.
3. تشجيع القطاع الخاص الحقيقي:
– إصدار قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) بشكل عاجل، مع تقديم حوافز للاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة (العراق يمتلك 300 يوم شمس سنويًا)، وتحلية المياه، والإسكان.
– إنشاء مناطق حرة صناعية في الفاو والمنذرية، مع إعفاءات ضريبية لمدة 10 سنوات للمستثمرين الأجانب الذين ينقلون تقنياتهم إلى العراق.
رابعاً: حلول سياسية – حوكمة وهو شرط أساسي لكل ما سبق للنجاح
– فصل الاقتصاد عن السياسة: تشكيل مجلس أعلى للطوارئ الاقتصادية يضم خبراء مستقلين (غير سياسيين) بصلاحيات تنفيذية مؤقتة، لمدة عام واحد، لاتخاذ القرارات الفنية دون عرقلة سياسية.
– محاربة الفساد كأولوية قومية: ربط أي مساعدات أو قروض دولية بتحقيق مؤشرات شفافية محددة (مثل الإفصاح عن عقود النفط، ومحاكمة المتهمين بالفساد في هيئة نزاهة مستقلة). بدون ذلك، ستبقى أي حلول مجرد “قطرة في بحر الفساد”.
العراق ليس بلداً فقيراً، بل هو بلد يُدار بفقر. الاحتياطيات النفطية الضخمة، الموقع الجغرافي المميز، والموارد البشرية المتعلمة، كلها عوامل كافية لجعل العراق قوة اقتصادية إقليمية. لكن غياب الإرادة السياسية، وانتشار الفساد، والتبعية الأحادية للنفط، حوّلته إلى ساحة خسائر كلما اشتعلت حرب. الحلول المذكورة أعلاه ليست خيالية، بل طُبّقت في دول مشابهة مثل أذربيجان وكازاخستان. المطلوب الآن هو قرار سياسي جريء، وإرادة شعبية ضاغطة، لانتشال العراق من مستنقع ‘الفوضى الاقتصادية الدائمة’ قبل فوات الأوان.



