تشهد العلاقات الثنائية بين إسلام آباد وكابول تصعيداً عسكرياً لافتاً، مع تنفيذ القوات الباكستانية عمليات أمنية نوعية امتدت إلى العمق الأفغاني، في تطور يعكس تعقيد المشهد الأمني في منطقة الحدود المضطربة، والتي تفصلها “خط ديوراند” الحدودي المتنازع عليه تاريخياً بين البلدين. تأتي هذه العمليات في سياق اتهمات متبادلة بشأن إيواء الجماعات المسلحة، وسط روايات متباينة حول طبيعة الضحايا وحصيلة العمليات.
أولاً: العملية الباكستانية – ضربات جوية وبريّة تستند إلى معلومات استخباراتية
أعلنت الحكومة الباكستانية، في بيان رسمي صادر صباح اليوم الاثنين، عن شنّ قواتها المسلحة عملية أمنية واسعة النطاق، استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة، على طول الشريط الحدودي الفاصل بين البلدين. وقد أعقبت هذه العملية البرية ضربات جوية موجّهة استهدفت، وفق الرواية الباكستانية، “مخابئ وملاذات للعناصر المسلحة” داخل الأراضي الأفغانية، وتحديداً في ثلاث ولايات شرقية هي: باكتيا، باكتيكا، وكونار.
وفي تصريح صحفي، أوضح وزير الإعلام الباكستاني، عطا الله تارار، أن الضربات الجوية كانت “دقيقة” واستهدفت ثلاثة مواقع محددة، وأسفرت – بحسب التقديرات الأولية – عن مقتل 25 مسلحاً. كما أعلن الجيش الباكستاني، في بيان منفصل، أن العمليات البرية التي نُفذت بالتزامن مع الضربات الجوية أسفرت عن مقتل 29 مسلحاً إضافياً، ليصل إجمالي الخسائر البشرية في صفوف العناصر المسلحة، وفق المصادر الباكستانية، إلى 54 قتيلاً.
ثانياً: سياق العملية – هجوم كراتشي كحافز مباشر
أرجعت السلطات الباكستانية هذا التحرك العسكري إلى هجوم مسلح استهدف، في اليوم السابق، المقر الإقليمي لقوات “الرينجرز” (قوات الأمن شبه العسكرية) في مدينة كراتشي، العاصمة الاقتصادية لباكستان. وقد أسفر ذلك الهجوم عن مقتل ثلاثة جنود باكستانيين، بينما تمكنت قوات الأمن من القضاء على ثلاثة من المهاجمين وإلقاء القبض على رابعهم، والذي أكد الجيش الباكستاني أنه يحمل الجنسية الأفغانية. وفي تطور لافت، تبنّت جماعة “الأحرار” – وهي فصيل منشق عن حركة طالبان الباكستانية (تحريك طالبان باكستان – TTP) – مسؤولية تنفيذ الهجوم على مقر الرينجرز، مما يعكس تشابك الجماعات المسلحة العاملة على جانبي الحدود.
ثالثاً: الموقف الأفغاني (حركة طالبان) – إدانة واستنكار مع حديث عن ضحايا مدنيين
في المقابل، خرج المتحدث الرسمي باسم حكومة طالبان في أفغانستان، ذبيح الله مجاهد، ببيان شديد اللهجة، ندد فيه بالضربات الباكستانية ووصفها بأنها “عمل عدواني جبان”، مؤكداً أنها استهدفت ولايات باكتيكا، باكتيا، وكونار، وأدت إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين الأبرياء. ولم تقدم السلطات الأفغانية حصيلة دقيقة أو قائمة بأسماء الضحايا حتى الآن، كما لم يصدر أي تأكيد مستقل من جهات دولية أو محايدة يمكن من خلاله ترجيح رواية على أخرى، في ظل حالة الانسداد المعلوماتي التي تكتنف المنطقة الحدودية.
رابعاً: السياق الإقليمي والأمني – توترات حدودية مزمنة
يأتي هذا التصعيد في وقت تعاني فيه الحدود الباكستانية-الأفغانية (خط ديوراند) من توترات أمنية متكررة، تترافق مع تبادل مستمر للاتهامات بين الحكومتين. فمن جهة، تتهم إسلام آباد كابول بالتساهل في ضبط الحدود وعدم منع الجماعات المسلحة، وعلى رأسها حركة طالبان الباكستانية، من استخدام الأراضي الأفغانية منطلقاً لشن هجمات داخل باكستان. ومن جهة أخرى، تنفي حكومة طالبان هذه الاتهامات، وتعتبر الضربات الجوية الباكستانية انتهاكاً للسيادة الوطنية وخرقاً للقانون الدولي، مما يزيد من تعقيد الجهود المبذولة لإرساء الاستقرار في المنطقة الحدودية التي تعد واحدة من أكثر المناطق اضطراباً في جنوب آسيا.
يعكس هذا التبادل العسكري بين باكستان وأفغانستان هشاشة الوضع الأمني على الحدود الشرقية لأفغانستان، ويبرز المخاطر الناجمة عن غياب آليات فعالة للتنسيق الأمني الثنائي. كما يطرح التساؤلات حول مستقبل العلاقات الثنائية في ظل تباين الروايات الرسمية فيما يتعلق بالضحايا وطبيعة الأهداف، مما قد ينذر بمزيد من التصعيد إذا لم تتدخل آليات إقليمية أو دولية لتهدئة الأوضاع. ومن الجدير بالملاحظة أن تعقيدات الملف الحدودي تتشابك مع قضايا اللاجئين والتهريب والنزاعات القبلية، مما يجعل أي عملية عسكرية محدودة عُرضة للتحول إلى مواجهة مفتوحة، إن لم تُرافقها قنوات دبلوماسية لحل الخلافات الجذرية.



