تشهد منطقة الشرق الأوسط تصعيداً غير مسبوق في الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، حيث تجاوزت المواجهة حدود الحرب الباردة والصراعات بالوكالة لتتحول إلى ضربات عسكرية مباشرة داخل الأراضي الإيرانية، مما يلقي بظلال كثيفة على استقرار الإقليم بأكمله. وفي خضم هذه العاصفة، يجد الكرد أنفسهم في موقع بالغ الحساسية، إذ يتحتم عليهم الموازنة بين ضغوط متعارضة ومصالح متشابكة، في وقت تسعى فيه أطراف إقليمية ودولية إلى جرهم إلى مستنقع الصراع، بينما تتزايد المخاوف من تحول أراضيهم إلى ساحة مفتوحة للتصفية الحسابات.
يمثل الكرد، بوصفهم أكبر أقلية إثنية في الشرق الأوسط دون دولة خاصة بهم، قوة ديموغرافية وسياسية وعسكرية موزعة بين إيران وتركيا وسوريا والعراق. ويقدر عددهم بنحو 30-40 مليون نسمة، يشكلون في إيران ما بين 8% و17% من السكان البالغ عددهم 90 مليوناً، ويتركزون في محافظات كردستان وكرمانشاه وأذربيجان الغربية وإيلام. هذا التوزع الجغرافي والثقل السياسي يضعهم في قلب المعادلات الإقليمية، لا سيما في ظل التحولات الدراماتيكية الراهنة.
وعلى مدى أكثر من خمسين عاماً، ظلت إيران وإسرائيل في حالة عداء معلن، مع تبادل قياداتهما تهديدات وجودية متكررة. لكن المواجهة الفعلية التي انطلقت في أواخر فبراير 2026، إثر اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في اليوم الأول للهجمات الأمريكية الإسرائيلية، نقلت الصراع إلى مرحلة جديدة كلياً. فمع دخول الحرب أسبوعها الثاني، تتسع رقعة الاشتباكات، وتشير التطورات إلى أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة قد تتحول فيها العديد من المناطق إلى ساحات حرب مفتوحة. هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: ما موقع الكرد في هذه المعركة المصيرية؟
العراق وإقليم كردستان: ساحة مفتوحة للصراع
ألقت الحرب بظلالها الثقيلة على العراق وإقليم كردستان، اللذين تحولا بسرعة إلى ساحة لتقاطع المصالح والصراعات الإقليمية. فمنذ بداية المواجهات، تعرض الإقليم لأكثر من 200 صاروخ باليستي وطائرة مسيرة إيرانية، استهدفت مقرات أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية، وقواعد عسكرية، ومنشآت مدنية، وحتى مواقع تابعة للبيشمركة. وتشير السلطات المحلية إلى مقتل 112 شخصاً على الأقل وإصابة 969 آخرين في محافظة كردستان الإيرانية وحدها جراء الضربات الأمريكية الإسرائيلية.
وفي هذا السياق، أعلن نيجيرفان بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان، خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أن الإقليم “لن يكون جزءاً من الصراعات”، وسيظل “عامل سلام”، معرباً عن تعازيه للضحايا الإيرانيين، ومؤكداً الالتزام بأمن الحدود والتعاون الأمني مع بغداد وطهران. كما شدد مسرور بارزاني، رئيس وزراء الإقليم، على ضرورة تحرك الحكومة الاتحادية لوقف الهجمات على كردستان، محذراً من أن الصمت إزاء هذه الانتهاكات لن يدوم طويلاً.
المعارضة الكردية الإيرانية: بين الاستعداد والانتظار
في الجانب الآخر من الحدود، تشهد الساحة الكردية الإيرانية تطورات دراماتيكية. فقبل أيام من اندلاع الحرب، تمكنت ستة أحزاب كردية إيرانية معارضة من تجاوز خلافاتها التاريخية وتشكيل “ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران”، الذي يضم: الحزب الديمقراطي الكردستاني إيران (PDKI)، وحزب الحرية الكردستاني (PAK)، وحزب الحياة الحرة الكردستاني (PJAK)، ومنظمة النضال الكردستاني (خبات)، وكوملة زحمكشيان كردستان، والحزب الشيوعي الكردستاني إيران.
موقف واشنطن: تشجيع وتراجع
يكتنف الغموض الموقف الأمريكي من إشراك الكرد في المعركة. فبعد تقارير عن اتصالات بين الرئيس ترامب وقادة كرد، منهم مسعود بارزاني وبافل طالباني في إقليم كردستان، ومصطفى هجري رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني إيران، بدا أن واشنطن تدرس خيار فتح جبهة برية كردية لإرباك القوات الإيرانية. ونقلت شبكة CNN عن مسؤولين أمريكيين أن الهدف هو استخدام الكرد لتمديد خطوط القوات الإيرانية، والسماح للاحتجاجات الشعبية بالنمو، أو مساعدتهم في السيطرة على شمال إيران لخلق منطقة عازلة لإسرائيل.
لكن بعد أيام قليلة، تراجع الرئيس ترامب علناً، معلناً للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية: “لقد استبعدت ذلك. لا أريد أن يذهب الأكراد. لا أريد أن يتأذى الأكراد أو يُقتلوا، وعلاقتنا جيدة. إنهم مستعدون للذهاب، لكني أخبرتهم أنني لا أريدهم أن يفعلوا ذلك”. هذا التراجع أثار ارتياحاً وحذراً في آن لدى القيادات الكردية، التي تدرك جيداً دروس التاريخ المريرة عن التحالفات الدولية غير المضمونة.
بين مطرقة إيران وسندان واشنطن: خيارات الكرد
في ظل هذه المعطيات المعقدة، يجد الكرد أنفسهم أمام معادلة صعبة. فهم من جهة، يتعرضون لضغوط إيرانية متزايدة، حيث تواصل طهران قصف مواقعهم تحت ذريعة وجود “عناصر انفصالية” و”خلايا موساد”. ويصر المسؤولون الإيرانيون على أن “أي تحرك من الجماعات الانفصالية ضد وحدة الأراضي الإيرانية سيسحق”. ومن جهة أخرى، يواجهون إغراءات أمريكية بالدعم، لكن دون ضمانات جدية، وسط تراجع علني عن فكرة إشراكهم برياً.
أمام هذا الواقع، يبرز خيار “الحياد الإيجابي” أو “الخط الثالث” كأكثر الخيارات واقعية بالنسبة للقيادة الكردية. فمنذ بداية الأزمة، تبنى إقليم كردستان موقفاً واضحاً بعدم السماح باستخدام أراضيه منصة لشن هجمات على إيران، مع السعي للوساطة وتخفيف التوترات.
دروس الماضي وتحديات المستقبل
يقف الكرد اليوم على أعتاب منعطف تاريخي، في واحدة من أكثر لحظات المنطقة تقلباً. فبينما تتسع رقعة الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتتصاعد وتيرة الضربات المتبادلة، تبقى قدرة الكرد على حماية مكتسباتهم مرهونة بمدى حكمتهم في التعامل مع الإغراءات والضغوط. إن الانحياز الكامل لأي طرف قد يكلفهم ثمناً وجودياً، بينما قد لا يكون الحياد المطلق ممكناً في صراع لا يعترف بالمناطق الرمادية.
تبقى الحقيقة الأكثر ثباتاً أن الكرد دفعوا ثمناً باهظاً للصراعات الإقليمية على مدى القرن الماضي. ويظل الدرس الأهم المستفاد من هذه التجارب أن الثقة بالآخرين، من دون ضمانات واضحة وآليات حماية، هي مغامرة كبرى. وفي هذا السياق، يبدو أن الخيار الأكثر حكمة يتمثل في تعزيز الوحدة الداخلية، وبناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، والتركيز على ترسيخ المكتسبات الدستورية والسياسية داخل العراق وسوريا، بدلاً الرهان على وعود خارجية قد تتبخر مع أول تحول في المصالح الدولية.
فكما تقول شاناز إبراهيم أحمد، السيدة الأولى في العراق والعضو في الاتحاد الوطني الكردستاني، معبرة عن المشاعر الكردية إزاء هذه الضغوط: “اتركوا الكرد وشأنهم. نحن لسنا مرتزقة”.



