• Home  
  • العراق بين مطرقة واشنطن وسندان طهران: استراتيجية الحياد الإيجابي وأدوات الحفاظ على السيادة
- فكر ودراسات

العراق بين مطرقة واشنطن وسندان طهران: استراتيجية الحياد الإيجابي وأدوات الحفاظ على السيادة

آكار تاج الدين يواجه العراق معادلة جيوسياسية بالغة التعقيد، إذ يقع في بؤرة تنافس إقليمي ودولي محوره الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى. هذا التقاطع جعل العراق ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة، مما يهدد سيادته ووحدته الداخلية. يطرح هذا المقال إطاراً عملياً لدور عراقي “حيادي إيجابي” لا يقوم على العزلة أو الانعزال، بل […]

آكار تاج الدين

يواجه العراق معادلة جيوسياسية بالغة التعقيد، إذ يقع في بؤرة تنافس إقليمي ودولي محوره الولايات المتحدة الأمريكية من جهة وإيران من جهة أخرى. هذا التقاطع جعل العراق ساحة مفتوحة للصراعات بالوكالة، مما يهدد سيادته ووحدته الداخلية. يطرح هذا المقال إطاراً عملياً لدور عراقي “حيادي إيجابي” لا يقوم على العزلة أو الانعزال، بل على إدارة العلاقات المتوازنة التي تحقق أقل الخسائر الممكنة، وتصون السيادة الوطنية، وتعزز التماسك الداخلي.

 أولاً: طبيعة التحدي العراقي بين القطبين

بعد عام 2003، تحول العراق إلى نقطة ارتكاز استراتيجية لكل من واشنطن وطهران. فمن منظور أمريكي، يمثل العراق عمقاً استراتيجياً في منطقة الخليج، فيما تنظر إليه إيران كامتداد طبيعي لأمنها القومي. هذا التداخل جعل الأراضي العراقية مسرحاً لصراعات نفوذ مباشرة وغير مباشرة.

وثمة معطيات للضغوط الحالية من أطراف عدة. حيث الضغط الأمريكي، وتتراوح أدوات واشنطن بين العقوبات المالية، التهديد بوقف الدعم للقطاع المصرفي العراقي، والوجود العسكري في إطار التحالف الدولي. والضغط الإيراني، وذلك عبر نفوذ فصائل مسلحة، التأثير في العملية السياسية، الاعتماد الاقتصادي المتبادل (خاصة في ملف الطاقة والغاز)، والامتداد الجغرافي للحدود الطويلة.

 ثانياً: مفهوم الحياد الإيجابي في السياق العراقي

الحياد المطلوب ليس حياداً سلبياً قائماً على عدم الانحياز فقط، بل هو “حياد إيجابي” قوامه:

– توازن المصالح: عدم تحويل العلاقة مع أي طرف إلى “امتياز حصري” على حساب الطرف الآخر.

– تعدد الشركاء: بناء شبكة علاقات متنوعة مع القوى الإقليمية والدولية كالصين، روسيا، دول الخليج، تركيا، والاتحاد الأوروبي.

– المرونة في الملفات الخلافية: تحويل الملفات العالقة (كالوجود العسكري الأمريكي، أو علاقة الفصائل المسلحة) إلى ملفات تقنية تُدار وفق جدول زمني وطني.

ثالثاً: آليات تحقيق الحياد بأقل الخسائر

1. في الملف السياسي: بناء توافق داخلي رافض للإملاءات الخارجية، وذلك من خلال تفعيل مبدأ “المسافة الواحدة”. وتوحيد الموقف السياسي تجاه جميع القوى الخارجية، بحيث لا يكون هناك “حليف خارجي” لأي كتلة داخلية. وتحويل القرار السياسي من “محاصصة خارجية” إلى “توافق وطني”. حيث ضرورة الاتفاق على أن أي قرار مصيري (كالتحالفات العسكرية أو السياسية) لا يُتخذ إلا بتوافق وطني جامع. واستثمار الدستور، حيث بعض المواد الدستورية التي تمنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على الدول المجاورة (المادة 9) تشكل أرضية قانونية قوية للحياد.

2. في الملف الاقتصادي: فك الاشتباك والتنويع. والتحول في ملف الطاقة. حيث أن العراق يعاني من اعتماد شبه كلي على الغاز الإيراني لتغذية محطات الكهرباء. البديل يتمثل في الإسراع بمشاريع استثمار الغاز المصاحب. والتوقيع على عقود طويلة الأمد مع شركات خليجية (كقطر والسعودية) لتوفير بدائل، والربط الكهربائي مع دول الخليج والأردن وتركيا، وتنويع الشراكات التجارية لكسر الاحتكار في العلاقات الاقتصادية عبر تعزيز ممر التنمية (طريق التنمية) الذي يربط العراق بتركيا وأوروبا. وتوسيع حجم التبادل التجاري مع الصين والإمارات وتركيا. وا÷م أمر هو الإصلاح المالي والمصرفي. ومراجعة النظام المصرفي العراقي لتجنب العقوبات الأمريكية، مع فتح قنوات مالية بديلة بالعملات الأخرى (كاليوان الصيني والروبل الروسي).

3. في الملف الأمني والعسكري: الدولة تحتكر القرار والقوة. والبدء بتوحيد المؤسسة العسكرية، وذلك لإنهاء ظاهرة الفصائل المسلحة التي تعمل خارج إطار الدولة، ودمجها في هيكل القوات المسلحة النظامية وفق قوانين واضحة. وإدارة ملف التحالف الدولي، للانتقال من علاقة “التحالف القتالي” إلى “علاقة استشارية وتدريبية” وفق جدول زمني محدد، مع التأكيد على أن أي وجود عسكري أجنبي يكون بموافقة مسبقة من البرلمان وبسيادة عراقية كاملة. وبناء قدرات ردع وطني، من خلال تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية لتكون قادرة على حماية الحدود ومنع أي طرف من استخدام الأراضي العراقية لتهديد جيرانه.

4. في الملف الدبلوماسي: سياسة توازن نشطة. واعتماد الوساطة النشطة من خلال توظيف موقع العراق الجغرافي ليكون وسيطاً إقليمياً (كما فعل في الحوار السعودي الإيراني)، مما يحوله من ساحة صراع إلى فاعل دبلوماسي. والعمل على تحالفات متعددة المحاور الانخراط، في أطر إقليمية متعددة. مثل التعاون الخليجي – عراقي (اتفاقية التعاون الأمني)، ومنصة الحوار الإقليمي (بغداد مؤتمر للتعاون)، والشراكة الاستراتيجية مع الصين وروسيا وتركيا وأوروبا. وأيضاً الدبلوماسية البرلمانية وتوظيف الاتحادات البرلمانية الدولية لتأكيد موقف العراق الحيادي وتوثيق انتهاكات السيادة.

رابعاً: تحديات الحياد العراقي

1. التحدي الداخلي: الانقسام السياسي والطائفي. حيث أن العراق لا يزال يعاني من بنية سياسية قائمة على المحاصصة الطائفية والعرقية، مما يجعل أي قوة خارجية تجد حلفاء داخل النظام السياسي. الحل يكمن في الانتقال إلى نظام “المواطنة” القائم على الكفاءة والبرامج، وليس الولاءات الخارجية.

2. التحدي الاقتصادي: التبعية المزدوجة. حيث أن العراق يعتمد على إيرادات النفط (التي تمر عبر النظام المالي الأمريكي)، وفي الوقت نفسه يعتمد على إيران في الطاقة. الحياد يتطلب مشاريع تنموية كبرى لتنويع الاقتصاد وتقليل نقاط الضعف.

3. التحدي الجيوسياسي: الجغرافيا لا تتغير. والعراق بلد جار لإيران بحدود طويلة، وفيه وجود أمريكي وعسكري واقتصادي. الحياد لا يعني تجاهل هذه الحقائق، بل إدارتها بذكاء عبر:

– تفعيل آليات فض النزاعات الحدودية.

– تحويل العلاقة مع إيران إلى علاقة دول حسن جوار لا وصاية.

– إدارة العلاقة مع واشنطن على أساس المصالح المشتركة دون إخضاع السيادة.

خامساً: ضمانات السيادة والوحدة الداخلية

1. تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وذلك من خلال الحياد الناجح والذي يحتاج إلى مشروع وطني يخاطب جميع المكونات العراقية، ويقدم بديلاً عن المشاريع الإقليمية التي تستخدم الطائفية والعرقية كأدوات نفوذ.

2. بناء دولة القانون والمؤسسات. حيث قوة العراق في حياده تأتي من قوة مؤسساته. دولة القانون القادرة على حماية قرارها الوطني هي الدولة القادرة على فرض احترام سيادتها.

3. إعادة الاعتبار للدبلوماسية العراقية. حيث أن الدبلوماسية العراقية تحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة المعالم، يشارك في صياغتها جميع الأطراف السياسية، وتكون منيعة ضد الاختراقات الخارجية.

إن دور العراق الحيادي ليس خياراً مثالياً بقدر ما هو ضرورة وجودية. الحياد الإيجابي الذي يقوم على تنويع العلاقات، فك الاشتباك الاقتصادي، توحيد القرار الوطني، وبناء مؤسسات قوية هو السبيل الوحيد للحفاظ على السيادة الوطنية والوحدة الداخلية في بيئة إقليمية شديدة التوتر. نجاح هذا الخيار مرهون بإرادة سياسية داخلية تضع المصلحة الوطنية فوق أي ولاء خارجي، وتدرك أن العراق القوي المستقل هو مصدر توازن للمنطقة كلها، وليس عبئاً على أحد. فـ “العراق القوي في حياده هو العراق القادر على أن يكون جسراً للتعاون لا ساحة للصراع.”

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026