أولا: التأثير الاقتصادي للحرب على العراق
يشهد العراق أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود نتيجة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث تحول إلى ساحة مفتوحة للصراع ودفع الثمن الأغلى.
الانهيار النفطي: تراجع الإنتاج النفطي العراقي بنحو 60%، من 3.3 ملايين برميل يومياً قبل الحرب إلى 1.3 مليون برميل فقط. والأكثر خطورة أن الصادرات عبر موانئ البصرة ومضيق هرمز توقفت تقريباً، حيث انخفضت بنسبة 94%. وهذا يعني أن الشريان الرئيسي للاقتصاد العراقي أصبح شبه مقطوع.
استهداف البنية التحتية: تعرضت حقول النفط في البصرة لهجمات بطائرات مسيرة، ما تسبب بأضرار مادية وتوقف العديد من الشركات الأجنبية عن الإنتاج خشية على سلامتها.
تبعات مالية واجتماعية: تعتمد الموازنة العراقية بنسبة تفوق 90% على الإيرادات النفطية. مع توقف هذه الإيرادات، تواجه الحكومة خطر عدم القدرة على دفع رواتب أكثر من 9 ملايين مواطن (أي خُمس السكان) يعتمدون على الدولة كمصدر دخل أساسي. كما أن العملة المحلية تواجه ضغوطاً كبيرة بسبب تراجع الاحتياطي الأجنبي.
ثانيا: تقييم خيار فرض الضرائب كحل للأزمة
الواقع الضريبي الحالي: تبلغ الإيرادات الضريبية في العراق نحو 3 تريليونات دينار فقط، مقابل موازنة تصل إلى 150 تريليون دينار. وهذا يعكس فجوة هائلة تجعل الاعتماد على الضرائب وحدها غير كاف لتعويض انهيار الإيرادات النفطية.
الإصلاحات الجارية: أطلقت الحكومة “الاستراتيجية الوطنية لتعبئة الإيرادات المحلية” بدعم من الاتحاد الأوروبي وألمانيا، والتي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل وتحديث الأنظمة المالية. كما تعاقدت العراق مع مؤسسة الضرائب والاستثمار الدولية (ITIC) الأمريكية لإصلاح النظام الضريبي وفق أفضل الممارسات العالمية.
النتائج المحققة: استطاعت الحكومة رفع نسبة الإيرادات غير النفطية من 7% (2022) إلى 14% (2024)، كما زادت الإيرادات الضريبية بنسبة 26% في 2024.
التحديات: أكد رئيس الوزراء السوداني رفضه “أي زيادات ضريبية تخلق مناخاً معادياً للأعمال أو تمس بالعدالة الضريبية”. وهذا يعني أن التوسع الضريبي يجب أن يكون مدروساً ولا يثقل كاهل المواطنين والمستثمرين.
ثالثا: الحلول البديلة والاستراتيجيات المتكاملة
1. تنويع مصادر الإيرادات غير النفطية: الهدف هو رفع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى 20% من إجمالي الدخل الوطني. ويشمل ذلك تحسين تحصيل الرسوم الجمركية وتحديث أنظمة الجمارك رقمياً.
2. دعم القطاع الخاص: يعتبر السوداني أن “بوابة الإصلاح الاقتصادي هي دعم القطاع الخاص من خلال توفير بيئة جاذبة للمستثمرين ورؤوس الأموال”. التركيز على الشفافية ومكافحة الفساد يجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
3. التحول الرقمي: أكملت الحكومة منظومة الاستعلام الضريبي الإلكترونية التي أنهت مشاكل ازدواج الأسماء والتأخير والفساد. هذا يزيد كفاءة التحصيل دون الحاجة لرفع الضرائب.
4. البحث عن طرق تصدير بديلة: تعمل الحكومة على تفعيل خط أنابيب كركوك-جيهان التركي لتصدير نحو 200 ألف برميل يومياً. ورغم أن هذه الكمية تمثل جزءاً بسيطاً من الصادرات السابقة، إلا أنها توفر شريان حياة مؤقتاً.
5. تحفيز المشاريع الناشئة: مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد يتبنى معايير دولية مع تقديم إعفاءات للمشاريع الناشئة والاقتصاد الأخضر.
رابعا: التوصيات – مزيج متوازن من الحلول
لا يمكن الاعتماد على الضرائب وحدها كحل سحري للأزمة، بل يجب اتباع استراتيجية متكاملة:
على المدى القصير:
– تفعيل خطوط التصدير البديلة عبر تركيا لتوفير سيولة عاجلة
– الاستفادة من الاحتياطي النقدي المتوفر لإدارة أزمة السيولة
– حماية الحقول النفطية والمنشآت الحيوية من الهجمات
على المدى المتوسط:
– مواصلة الإصلاح الضريبي مع التركيز على توسيع قاعدة المكلفين لا رفع الأسعار
– تفعيل التحول الرقمي في الجمارك والضرائب لتحسين التحصيل
– تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في مشاريع البنية التحتية
على المدى البعيد:
– تنفيذ رؤية التنويع الاقتصادي لتقليل الاعتماد على النفط إلى أقل من 50% خلال عقد
– تطوير قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة كبدائل مستدامة
– بناء احتياطات استراتيجية وشبكات أمان مالي لمواجهة الصدمات المستقبلية
تمثل الحرب الحالية اختباراً قاسياً للاقتصاد العراقي الذي ظل لعقود رهينة للنفط. الإصلاحات الضريبية الجارية ضرورية لكنها غير كافية وحدها. النجاح يكمن في تنويع شامل لمصادر الدخل، مع دعم القطاع الخاص والتحول الرقمي والبحث عن منافذ تصدير بديلة. الأزمة الحالية قد تكون فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي بشكل أكثر استدامة ومرونة.



