- فكر ودراسات

الشرق الاوسط، ومآلات الحرب الدائرة…؟

ابراهيم يوسف  فالسؤال إذن في غاية الأهمية ويلامس جوهر الأحداث المصيرية التي يمر بها الشرق الأوسط اليوم. بناءً على تحليلات الخبراء والمعلومات المتاحة حتى مارس 2026، سأحاول طبعاً تقديم رؤية مختصرة، حيث يُظهر المشهد الحالي أن الحرب كانت نتيجة لتراكمات طويلة وفرص ضائعة، وتداعياتها تمتد بعمق لتطال اقتصادات المنطقة والعالم، بينما تبقى المفاوضات خيطاً رفيعاً […]

ابراهيم يوسف

 فالسؤال إذن في غاية الأهمية ويلامس جوهر الأحداث المصيرية التي يمر بها الشرق الأوسط اليوم. بناءً على تحليلات الخبراء والمعلومات المتاحة حتى مارس 2026، سأحاول طبعاً تقديم رؤية مختصرة، حيث يُظهر المشهد الحالي أن الحرب كانت نتيجة لتراكمات طويلة وفرص ضائعة، وتداعياتها تمتد بعمق لتطال اقتصادات المنطقة والعالم، بينما تبقى المفاوضات خيطاً رفيعاً في خضم التصعيد.

هنا… علينا أن نسأل هل كان بالإمكان تجنب الحرب…؟

يرى الكثير من المحللون أن اندلاع المواجهة العسكرية الحالية لم يكن قدراً حتمياً، بل نتاج سلسلة من القرارات والحسابات الخاطئة. ويمكن إرجاع ذلك إلى عدة عوامل عدة منها:

· الجذور التاريخية العميقة. فالصراع ليس وليد اللحظة، بل يمتد لثورة إيران عام 1979. منذ ذلك الحين، أدركت طهران أن خصمها الرئيسي هو واشنطن، وعاشت في حالة دفاع دائم خوفاً من تكرار سيناريوهات مثل انقلاب 1953 واقصد هنا انقلاب الدكتور مصدق.

· لا ننسى بأنه كانت هناك فرصة دبلوماسية ضائعة قبل أشهر فقط، في عام 2025، كانت الولايات المتحدة وإيران تخوضان مفاوضات غير مباشرة في عُمان وروما، بهدف العودة إلى اتفاق نووي. وُصفت بعض الجولات بأنها “بناءة”، مما يشير إلى وجود فرصة حقيقية لحل دبلوماسي. إلا أن هذه المسارات تعثرت لأسباب تتعلق بتصاعد المطالب وتبادل الاتهامات، ولعدم رغبة اسرائيل بنجاحها.

·أيضاً هناك تصورات متفائلة مقابل تعقيدات الواقع حيث يبدو أن الإدارة الأمريكية راهنت على سيناريو “الفوضى الخلاقة” أو أن ضربة عسكرية محدودة قد تؤدي إلى انهيار النظام الإيراني من الداخل، بدعم من قوى المعارضة. لكن هذا التصور وُصف بأنه “غير واقعي”، خاصة في ظل غياب بديل واضح للنظام. فقد أثبت النظام الإيراني تماسكاً أكبر مما كان متوقعاً في مواجهة الضربات مع قسوتها.

· كذلك لا ننسى تباين الرؤى بين الحلفاء فهناك تباين في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب حول المدى الذي يجب أن تصل إليه العمليات العسكرية، فبينما تسعى إسرائيل لقطع رأس “محور المقاومة”، نرى بأن الأهداف الأمريكية أكثر تحديداً، وتتمثل بإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية.

أما توقعات تداعيات الحرب في منطقة مشتعلة وأسواق متقلبة. أرى الحرب الحالية تجاوزت كونها صراعاً ثنائياً لتصبح حرباً إقليمية ذات تداعيات عالمية على سوق الطاقة العالمي، حيث الخطر الحقيقي يتمثل في احتمال خروج إمدادات الخليج من السوق. وهذا يترتب عليه:

· صدمة إمدادات كبرى: بدأت ملامحها بالظهور مع إعلان قطر والكويت والبحرين حالة “القوة القاهرة” على بعض منشآتها وشحناتها بسبب الهجمات وتعطل الملاحة في مضيق هرمز.

·مع ارتفاع قياسي في الأسعار: هذا الوضع دفع بأسعار النفط لتتجاوز 93 دولاراً للبرميل، مع توقعات بوصولها إلى 150 دولاراً في حال طال أمد النزاع وخروج الإمدادات الخليجية (البالغة حوالي 18 مليون برميل يومياً) من السوق. لا تقتصر الأزمة على النفط فقط، فالغاز المسال القطري الذي يمثل 20% من التجارة العالمية مهدد أيضاً.

·كذلك شلل تجاري وتضخم عالمي: أي تعطل طويل في مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية، سيعرقل صادرات البتروكيماويات والأسمدة، ويرفع تكاليف الشحن والتأمين بنسبة 30-50%، مما يغذي موجة تضخم عالمية ويعطل سلاسل التوريد.

وعلى دول المنطقة فالتأثيرات لم تنتظر طويلاً وبدأت تظهر على المواطن العربي على شكل:

· ضغوط معيشية فورية حيث شهدت دول عربية عدة ارتفاعات حادة في الأسعار. ففي مصر، تم رفع أسعار الوقود بنسب تصل إلى 22%، وقفز سعر الدولار لأكثر من 52 جنيهاً. في العراق، أدت الحرب إلى قفزة في أسعار المواد الغذائية الأساسية وارتفاع الطلب على مستلزمات الطاقة المنزلية تحسباً لانقطاع الكهرباء، خاصة أن العراق يعتمد على استيراد سلع بقيمة 20 مليار دولار سنوياً من إيران.

· تهديد الأمن الغذائي بسبب تعطل الإمدادات الزراعية والبتروكيماوية، حيث ارتفعت أسعار أسمدة “اليوريا” بنسبة 25% بسبب توقف الإمدادات عبر مضيق هرمز.

· هناك أيضاً إعادة لتشكيل التحالفات على المستوى السياسي، قد تؤدي الحرب إلى تذكير الجمهور العربي بالهجمات الإسرائيلية، وتعيق جهود التطبيع، وتضع حلفاء أمريكا الخليجيين في موقف صعب بين الحاجة للحماية الأمريكية والخشية من الانجرار إلى الصراع.

ما هي آمال العودة للمفاوضات بين أمريكا وإيران…؟

فرغم صوت المدافع، لا يزال باب الدبلوماسية موارباً، لكنه يواجه تحديات جمة.

·هناك مساعٍ دبلوماسية مستمرة… آخر جولة من المفاوضات انطلقت في جنيف في 26 فبراير 2026 بوساطة عُمانية، حيث قدم الجانب الإيراني مقترحاً جديداً قال إنه “يبدد جميع الذرائع الأمريكية”. حيث صرّح مسؤولون إيرانيون بأنهم يسعون لتجنب حرب كبرى.

· فجوة الثقة والمواقف المتناقضة. إذ أعلنت الخارجية الإيرانية أن “المواقف الأمريكية المتناقضة لا تساعد على المضي في المسار الدبلوماسي وتزيد الشكوك”. واشنطن من جهتها لا تثق بتصريحات طهران بعدم سعيها لامتلاك سلاح نووي، وتطالب بحد أوسع يشمل برنامج الصواريخ الباليستية، وهو خط أحمر لإيران.

· ساعة الصفر الدبلوماسية: وصف مراسل الجزيرة من واشنطن المحادثات بأنها “الفرصة التالية للحوار”، وأن ما سيقوله المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف للرئيس ترامب بعد هذه الجولة “سيحدد مستقبل هذه الأزمة”.

· هناك سيناريوهات متقابلة: إيران تؤكد أن موافقة أمريكا على رفع العقوبات والسماح بتخصيب منخفض قد يفتح باب الاتفاق، بينما أي حديث عن برنامجها الصاروخي يعني نهاية التفاوض. في المقابل، تطالب إدارة ترامب باتفاق “إلى أجل غير مسمى” وتدرس خيارات عسكرية في حال فشل الدبلوماسية.

نحن نقف على مفترق طرق فإما استمرار التصعيد العسكري الذي يهدد بتفجير المنطقة وإحداث دمار اقتصادي عالمي، أو العودة الجادة إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى تسوية تحقق الحد الأدنى من مصالح الجميع. الأيام القادمة كفيلة بتحديد الاتجاه.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026