
آكار تاج الدين
تُعد الحروب من أكثر الأنشطة البشرية تدميراً للبيئة، إلا أن الأضرار البيئية الناجمة عنها تبقى أقل إثارة للاهتمام الإعلامي مقارنة بالخسائر البشرية والمادية. وسنتناول هنا تأثيرات الحروب المباشرة وغير المباشرة على النظم البيئية، مستعرضين آليات تدمير الموارد الطبيعية والتلوث طويل الأمد.
عندما ندرس الحروب، تنصب الأضواء عادة على سقوط الضحايا المدنيين، وتدمير المدن، والانهيارات الإنسانية. لكن ثمّة ضحية أخرى لا تتحدث، ولا تظهر خسائرها في نشرات الأخبار العاجلة: إنها البيئة. الغابات المحترقة، والتربة المسمومة، والمياه الملوثة، والهواء المليء بالغبار السام، والأنواع المنقرضة – كلها إرث بيئي تمتد آثاره لعقود، بل قرون، بعد توقف إطلاق النار.
لقد أظهرت الدراسات العلمية أن النزاعات المسلحة الحديثة تترك بصمة بيئية كارثية تتجاوز بكثير ما تخلفه الحروب التقليدية، وذلك بسبب تعقيد الأسلحة المستخدمة، واستهداف البنى التحتية الصناعية والنفطية، والنزوح الجماعي للسكان. من حرب فيتنام التي تركت غاباتها مسمومة بمادة “البرتقالي السام”، إلى حرب الخليج الثانية التي أغرقت الخليج العربي بملايين البراميل النفطية، وصولاً إلى النزاعات المعاصرة في أوكرانيا وغزة، يتكرر السيناريو نفسه: تجاهل بيئي ممنهج، ثم إعادة إعمار بدون مراعاة بيئية، ثم معاناة طويلة الأمد للأجيال القادمة.
أولاً: التأثيرات البيئية للحروب – نظرة منهجية
يمكن تقسيم الأضرار البيئية الناجمة عن الحروب إلى ثلاث فئات رئيسية:
1. التدمير المباشر للنظم البيئية
يحدث هذا النوع من الدمار نتيجة العمليات العسكرية الميدانية، مثل:
– القصف والتفجيرات: يؤدي إلى حرق الغابات والمراعي الزراعية وتدمير الموائل الطبيعية للكائنات الحية.
– التحصينات والخنادق: تغير طبوغرافية الأرض وتسبب تآكلاً طويل الأمد للتربة.
– الحرائق المتعمدة: استراتيجية عسكرية قديمة تهدف إلى حرمان العدو من الغطاء النباتي، لكنها تتسبب في تصحر واسع النطاق.
2. التلوث الكيميائي والنفطي والإشعاعي
أخطر ما تتركه الحروب هو التلوث الذي لا يُرى بالعين المجردة:
– تلوث المياه: استهداف محطات معالجة المياه ومحطات الضخ يؤدي إلى تسرب مياه الصرف الصحي والمواد الكيميائية إلى الأنهار والمياه الجوفية.
– تلوث التربة بالمتفجرات: تحتوي القنابل والصواريخ على معادن ثقيلة كاليورانيوم المنضب الذي يسبب تسمماً طويل الأمد وسرطانات خلقية.
– تلوث الهواء: حرائق آبار النفط ومصافي التكرير والمصانع تطلق غازات سامة مثل ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين.
– التلوث الإشعاعي: سواء من القنابل النووية أو من مخلفات المفاعلات النووية المستهدفة.
3. الضغوط غير المباشرة على البيئة
وهي نتائج غير مقصودة لكنها مدمرة بنفس القدر:
– النزوح واللجوء: تحويل ملايين البشر إلى غابات ومحميات طبيعية يسبب قطع الأشجار للتدفئة والصيد الجائر.
– انهيار أنظمة الإدارة البيئية: توقف عمل الوزارات والهيئات البيئية أثناء الحروب يؤدي إلى عشوائية في استغلال الموارد.
– الاقتصاد الحربي: ازدهار التجارة غير المشروعة بالأخشاب والمعادن والحياة البرية لتمويل الأطراف المتحاربة.
ثانياً: مسؤوليات الحكومات – واجبات وطنية ودولية
في ظل هذه التداعيات، تتحمل الحكومات – خاصة في الدول التي تشهد نزاعات أو التي لديها جيوش تتدخل في حروب خارج حدودها – مسؤوليات قانونية وأخلاقية وسياسية لحماية البيئة.
أ. الالتزام بالقانون الدولي الإنساني البيئي
توجد عدة مواثيق وأحكام تحمي البيئة أثناء النزاعات المسلحة، أبرزها:
– البروتوكول الأول الإضافي لاتفاقيات جنيف (1977): يمنع استخدام أساليب أو وسائل قتالية يُتوقع أن تسبب أضراراً واسعة وطويلة الأمد للبيئة الطبيعية.
– اتفاقية حظر الاستخدام العسكري أو أي استخدام عدائي لتقنيات التعديل البيئي: تحظر استخدام تغيير البيئة كسلاح.
– نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998): يعتبر الإضرار المتعمد بالبيئة على نطاق واسع وطويل الأمد جريمة حرب.
ومع ذلك، تعاني هذه القوانين من نقص في آليات التطبيق، وتغليب الاعتبارات السياسية على الأحكام القضائية. لذلك، تقع مسؤولية إضافية على الحكومات في:
– تضمين هذه الاتفاقيات في تشريعاتها الداخلية.
– محاكمة القادة العسكريين الذين يصدرون أوامر باستهداف البيئة.
– إنشاء وحدات متخصصة لحماية البيئة داخل المؤسسة العسكرية.
ب. مسؤولية إعادة التأهيل والتعويض
بعد انتهاء الحروب، تتحمل الحكومة الشرعية – وكذلك الحكومات المهاجمة – مسؤولية:
– تقييم الأضرار البيئية: عبر فرق علمية مستقلة.
– تطهير التربة والمياه: من المتفجرات والمواد الكيميائية.
– إعادة تأهيل النظم البيئية: مثل إعادة التشجير، وتنظيف الأنهار، وإعادة توطين الأنواع المهددة.
– تعويض المجتمعات المتضررة: ليس فقط مالياً، بل بتوفير بيئة نظيفة وصحية.
ج. بناء أنظمة بيئية مقاومة للحروب
تتحمل الحكومات مسؤولية التخطيط المسبق لحماية البيئة في حال اندلاع أي نزاع مستقبلي، وذلك من خلال:
– توزيع البنى التحتية الحساسة (محطات الطاقة، مصافي النفط، محطات المياه) بدلاً من تركيزها.
– إنشاء مناطق عازلة حول المحميات الطبيعية.
– تخزين خطط الطوارئ البيئية في مراكز القيادة العسكرية.
ثالثاً: مسؤولية الأفراد – من الوعي إلى الفعل
لا تنحصر مسؤولية حماية البيئة زمن الحروب بالحكومات والجيوش فقط؛ بل للأفراد دور حاسم، قد يكون أكثر تأثيراً على المدى البعيد.
أ. بناء الوعي البيئي قبل الأزمات
تكون المجتمعات التي تمتلك وعياً بيئياً راسخاً أكثر قدرة على حماية بيئتها عند اندلاع الحروب، وذلك من خلال:
– التعليم البيئي المبكر: دمج مفاهيم حماية البيئة في المناهج الدراسية، بما فيها مناقشة أضرار الحروب على الطبيعة.
– التدريب المجتمعي: كيفية التعامل مع حالات التلوث النفطي أو الكيميائي أثناء الغارات.
– التوثيق الرقمي: تدريب الأفراد على استخدام هواتفهم لتوثيق الجرائم البيئية كدليل للمحاكم الدولية.
ب. دور الأفراد أثناء النزاعات
رغم الظروف القاسية، يمكن للأفراد القيام بإجراءات عملية:
– الإبلاغ عن الاستهدافات البيئية: عبر منصات حقوق الإنسان والهيئات الأممية.
– تشكيل فرق حماية محلية: لمنع قطع الأشجار الجائر أو الصيد غير القانوني في مناطق النزوح.
– الاستهلاك المسؤول: تقليل الاعتماد على الموارد الطبيعية التي قد تكون هدفاً للحرب (مثل شراء الحطب من مصادر مستدامة).
ج. الضغط من أجل السلام الأخضر
بعد انتهاء الحرب، يتحول دور الأفراد إلى:
– مقاطعة الشركات المتورطة في تدمير البيئة أثناء الحرب.
– المشاركة في حملات تنظيف وإعادة تأهيل بيئي تطوعية.
– المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم البيئية عبر التوقيع على عرائض وضغط برلماني.
رابعاً: منظمات المجتمع المدني – القوة الناعمة لحماية البيئة في الحروب
تمثل منظمات المجتمع المدني (منظمات غير حكومية، نقابات، جمعيات مهنية، مجموعات شبابية) الحلقة الأهم بين الحكومات والأفراد. لكن دورها يتعاظم بشكل خاص أثناء النزاعات وبعدها لثلاثة أسباب رئيسية: الحيادية النسبية، المرونة في العمل الميداني، والقدرة على حشد الرأي العام.
أ. دور المنظمات قبل الحرب
– الرصد والتوثيق المبكر: إصدار تقارير دورية عن حالة البيئة في مناطق التوتر.
– التوعية الوقائية: حملات توعية للمجتمعات والأطراف المسلحة حول حرمة البيئة زمن الحرب.
– بناء تحالفات محلية ودولية: لخلق ضغط دبلوماسي لحماية المناطق البيئية الحساسة.
ب. دور المنظمات أثناء الحرب
هنا يظهر الدور الأكثر إلحاحاً:
– التدخل الميداني في المناطق الآمنة نسبياً: مثل إطفاء حرائق الغابات الصغيرة، إنقاذ الحيوانات المصابة، توفير بدائل آمنة لسكان المناطق الملوثة.
– التوثيق القانوني للجرائم البيئية: جمع العينات، تصوير الأضرار، أخذ شهادات السكان، وإحالتها إلى المحاكم الجنائية الدولية وهيئات الأمم المتحدة.
– نشر المعلومات عالية الدقة: باستخدام صور الأقمار الصناعية والبيانات المفتوحة، لتوثيق التدمير البيئي بشكل لا يقبل الجدل.
– الدعم النفسي والبديل: مساعدة المجتمعات المتضررة بيئياً على إيجاد مصادر بديلة للمياه والغذاء.
ج. دور المنظمات بعد الحرب
– المشاركة في خطط إعادة الإعمار الأخضر: الضغط لدمج المعايير البيئية في جميع مشاريع إعادة البناء.
– تنفيذ برامج تعويض بيئي: مثل إعادة التشجير، وتنظيف الأنهار، وإعادة تأهيل الأراضي الزراعية.
– الرقابة طويلة الأمد: متابعة الآثار الصحية والبيئية المتراكمة لعقود بعد انتهاء الحرب.
– بناء القدرات المحلية: تدريب كوادر محلية من المتطوعين على إدارة المخلفات البيئية الحربية.
خامساً: توصيات عملية لتفعيل الدور البيئي للمجتمع المدني في زمن الحروب
لكي تؤدي منظمات المجتمع المدني دورها المطلوب، لا بد من إزالة العقبات التي تواجهها وتوفير بيئة تمكينية:
1. إفساح المجال القانوني: يجب على الحكومات – حتى في ظروف الحرب – إصدار تشريعات استثنائية تسمح للمنظمات البيئية بالتحرك بشكل آمن، مع حماية عمالها من الاستهداف.
2. تمويل مستقل: إنشاء صناديق دولية لدعم المنظمات البيئية العاملة في مناطق النزاع، بعيداً عن الضغوط السياسية للمانحين.
3. التدريب المتخصص: برامج تدريبية للمنظمات المحلية على التعامل مع المواد الخطرة، واستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد، والتوثيق القانوني للجرائم البيئية.
4. التنسيق مع الأمم المتحدة: وضع آليات سريعة لربط المنظمات المحلية ببرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) وفريق الاستجابة البيئية التابع للأمم المتحدة (JEU).
5. الحماية الدولية للعاملين في المجال البيئي: توسيع نطاق الحماية التي تمنحها اتفاقيات جنيف للعاملين الصحيين لتشمل العاملين في حماية البيئة في مناطق النزاع.
البيئة ليست ورقة تفاوض، بل إرث للإنسانية
إن حماية البيئة في زمن الحروب ليست ترفاً فكرياً أو قضية ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد السلام. البيئة هي أساس بقاء البشر، وتدميرها يعني تدمير مقومات الحياة نفسها. ما نراه اليوم في كثير من ساحات النزاع – من تسميم آبار المياه، إلى حرق الغابات، إلى تدمير الأراضي الزراعية – ليس مجرد “أضرار جانبية” كما يُروّج، بل هو جرائم حرب بيئية متعمدة أو ناتجة عن إهمال جنائي.
تقع المسؤولية أولاً على الحكومات في احترام القانون الدولي وفي إعادة الإعمار البيئي بعد الحروب. ثم على الأفراد في التوعية والعمل المحلي. لكن العمود الفقري لأي استراتيجية فعالة يبقى منظمات المجتمع المدني، التي تمتلك المرونة والقرب من الأرض والشعبية اللازمة لتحويل النوايا إلى أفعال ملموسة.
إن إفساح المجال لهذه المنظمات للعمل، ودعمها مادياً ولوجستياً، ليس منةً منها، بل استثمار في مستقبل بيئي مستدام لأجيال لم ترتكب حروب آبائها. فلتكن البيئة عنواناً للسلام الحقيقي، ولتكن حمايتها في الحروب مقياساً لمدى تحضر البشرية.


