لم تكن الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير 2026 مجرد حلقة جديدة في سلسلة صراعات الشرق الأوسط، بل كانت هزة عنيفة هزت أركان الاقتصاد العالمي، وجعلت العراق – مرة أخرى – ساحة ابتلاء وضحية كبرى لصراع لم يختر يوماً أن يكون طرفاً فيه. فمنذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها إيران إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية، تحولت موازين القوى الاقتصادية في المنطقة والعالم رأساً على عقب.
ما يثير الأسى أن العراق، الذي كان بدأ للتو في التعافي من عقود من الحروب والدمار، وجد نفسه فجأة في بؤرة العاصفة. فالبلاد التي تعتمد بنسبة تتجاوز 90% على عائدات النفط لتمويل موازنتها العامة، باتت اليوم مهددة بخطر الانهيار الكامل. ليس هذا فقط، بل إن تداعيات هذه الحرب طالت كل بيت عراقي وعربي، وكل أسرة تعاني من ارتفاع جنوني في الأسعار وانقطاع متزايد في الخدمات الأساسية.
العراق – الخاسر الأكبر في حرب لم يخضها
يعيش العراق اليوم كابوساً اقتصادياً لا يمكن وصفه سوى بالخراب التام. فقد أدى إغلاق مضيق هرمز – الذي تمر عبره نحو 94% من الصادرات النفطية العراقية – إلى توقف شبه كامل لتدفق النفط إلى الأسواق العالمية. الأرقام صادمة بكل المقاييس:
– انهيار الإنتاج من 3.4 مليون برميل يومياً إلى أقل من 250 ألف برميل – أي تراجع بنسبة تزيد عن 90%. وخسائر يومية تتراوح بين 300 و400 مليون دولار، ما يعني خسارة شهرية قد تصل إلى 12 مليار دولار.
ولم يقتصر الأمر على توقف الصادرات، بل شهدت الحقول النفطية الجنوبية – قلب الصناعة النفطية العراقية – انهياراً مماثلاً. إذ تراجع الإنتاج في محافظة البصرة من 3.1 مليون برميل يومياً إلى حوالي 900 ألف برميل. وتوقفت الصادرات البحرية بشكل كامل، فيما تعمل الحكومة على بدائل محدودة للغاية لا تتجاوز 500 ألف برميل يومياً عبر خط كركوك-جيهان التركي.
لا تقتصر الكارثة على النفط فقط، فالعراق يعتمد بشكل شبه كامل على الغاز الإيراني المستورد لتشغيل محطات توليد الكهرباء، خاصة في فصل الصيف الحارق. ومع استهداف البنية التحتية للطاقة داخل إيران وانقطاع الإمدادات بسبب حالة الحرب، يواجه العراق أزمة كهرباء كارثية ستؤدي إلى:
– شل القطاعات الإنتاجية والمصانع والمستشفيات.
– تفاقم الاحتجاجات الشعبية التي قد تهدد استقرار الحكومة.
– معاناة يومية للمواطنين الذين يعيشون بالفعل في ظروف قاسية.
توقف الملاحة في مضيق هرمز لم يمنع تصدير النفط فحسب، بل أوقف أيضاً تدفق السلع المستوردة إلى العراق. إذ انخفض حجم البضائع التي تصل إلى الموانئ الجنوبية إلى النصف. والأكثر خطورة أن العراق يستورد نحو خمس احتياجاته الاستهلاكية من إيران نفسها، بقيمة تبادل تجاري بلغت 12 مليار دولار عام 2024.
النتيجة كانت مأساوية ومتوقعة في آن واحد: ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية الأساسية، حيث يقبل المواطنون على شراء كميات أكبر من الأرز والزيوت والسكر والطحين خوفاً من ارتفاع الأسعار أكثر إذا استمرت الحرب.
ربما هذا هو الجانب الأكثر خطورة في الأزمة الحالية. فالموازنة العراقية التي تعتمد على النفط بنسبة تزيد على 90%، باتت اليوم شبه خالية من الإيرادات. الحكومة التي كانت تعيش بالفعل من يد إلى فم – بحسب وصف مسؤول مالي عراقي سابق – لم تعد قادرة على الوفاء بالتزاماتها الأساسية: **دفع رواتب تسعة ملايين عراقي، وتأمين الخدمات، وتسديد الديون** الخارجية والداخلية.
وبحسب تقديرات اقتصادية، فإن العراق يمتلك احتياطات كافية للصمود حتى منتصف مايو 2026 فقط، وبعد ذلك لن يجد أمامه سوى الاقتراض أو إصدار سندات – لكن بثمن باهظ.
المواطن العادي – من يدفع الثمن؟
في أسواق بغداد، وتحديداً في سوق الشورجة – أحد أقدم وأكبر الأسواق التجارية في العاصمة – تبدو الحركة أقل صخباً من المعتاد. التجار يقفون أمام محالهم يتبادلون أحاديث مقتضبة عن سعر الدولار وكلفة الاستيراد، بينما يحمل متسوقون أكياساً ممتلئة بالمواد الأساسية. هذا المشهد يعكس قلقاً متزايداً من تداعيات الحرب التي أصبحت حاضرة في تفاصيل اليوم العراقي.
ما يعانيه المواطن العراقي اليوم يمكن تلخيصه في النقاط التالية:
1. الخوف من فقدان الراتب: الحكومة قد لا تتمكن من دفع الرواتب قريباً، وهذا يعني أن ملايين العائلات ستجد نفسها بلا مصدر دخل.
2. ارتفاع الأسعار: أسعار المواد الغذائية الأساسية في ارتفاع مستمر، والسلع المستوردة باتت نادرة أو باهظة الثمن.
3. انقطاع الكهرباء: مع توقف إمدادات الغاز الإيراني، سيكون صيف 2026 الأكثر قسوة على الإطلاق.
4. الخوف من العنف: الهجمات بالصواريخ والمسيّرات لم تعد بعيدة، بل أصبحت تطال المدن والأحياء السكنية.
5. شح في السلع الأساسية: من غاز الطهي إلى الأدوية، كل شيء أصبح نادراً أو باهظ الثمن.
في العالم العربي: موجة تضخم تعم المنطقة
لم تكن تداعيات الحرب محصورة على العراق، بل امتدت لتضرب الدول العربية كافة – حتى المنتجة للنفط. فبحسب تقارير اقتصادية، فإن المواطن العربي اليوم يواجه ضغوطاً اقتصادية متصاعدة.
في العالم: الفقراء يدفعون الثمن الأكبر
الأزمة لم تستثن أحداً. فحتى الدول البعيدة عن مسرح الأحداث تأثرت بارتفاع أسعار الطاقة والغذاء. الصين اضطرت لزيادة رسوم الوقود على الرحلات الداخلية. وفي أوروبا، ارتفعت فواتير الطاقة بشكل كبير. حتى مملكة بوتان في جبال الهيمالايا لم تسلم من طوابير الوقود.
لكن الأكثر تضرراً هم الدول منخفضة الدخل التي تعتمد على استيراد الغذاء. صندوق النقد الدولي حذر من أن ارتفاع أسعار الأسمدة والغذاء قد يؤدي إلى **أزمة جوع عالمية**، خاصة في أفريقيا وأجزاء من آسيا.
حرب بلا رابحين
ما نراه اليوم في العراق والمنطقة والعالم هو نموذج صارخ لحرب لم يسلم منها أحد. العراق، الذي كان يحاول النهوض من تحت الرماد بعد عقود من الحروب والحصار والاحتلال، وجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة. الاقتصاد العراقي الذي كان هشاً أصلاً، بات اليوم على شفا الانهيار التام.
العالم كله يدفع الثمن: أوروبا تعاني من ارتفاع فواتير الطاقة، أمريكا تواجه تضخماً متصاعداً، والدول الفقيرة تهددها مجاعة. لكن الثمن الأكبر يدفعه **المواطن العادي**، في العراق والعالم العربي، الذي لم يختر هذه الحرب، ولم يقرر إغلاق مضيق هرمز، ولم يطلق صاروخاً واحداً، لكنه سيظل لسنوات يدفع فواتير الكهرباء الباهظة، ويثمن الخبز الغالي، ويعيش في خوف على مستقبل أطفاله.
لا يمكن القول إن هناك رابحاً في هذه الحرب. فالجميع خاسرون، لكن الخسارة الأكبر هي خسارة الأرواح وتهديد مستقبل أجيال بأكملها. الأمل الوحيد يبقى في وقف هذه الحرب قبل أن تتسع رقعتها أكثر، وقبل أن تتحول الأزمة الاقتصادية إلى كارثة إنسانية لا يمكن تداركها.



