أنغام جميل
بكل تأكيد أن الفوضى التي نعيشها الآن في المشرق العربي، بقدر ما لها دوافعها الموضوعية المرتبطة بأجندات قوى الهيمنة الغربية، إلا أنها تحمل في الوقت نفسه حقيقة ذاتية مرتبطة بواقع المنطقة ومستوى التردي الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي. فلا يمكن لأية قوة خارجية أن تفرض نفسها على مجتمع إن لم تكن هناك أرضية خصبة جاهزة لاستقبال تلك الأجندات.
نحن اليوم ندفع ثمن عقود من السكوت عن واقع كان ينهش مجتمعنا. ها هي المقدسات التي كنا نعتقد أنها من الطابوهات قد سقطت، ولم يبق سوى حقيقة واحدة: لا مقدس سوى الإنسان، وكل ما خارجه لا قيمة له إن لم يخدم كرامته.
منطقتنا كانت مهدًا للحضارة بقيمها الأخلاقية من كدح ومحبة واحترام للطبيعة. لكننا ابتعدنا عن تلك القيم، ووقعنا في فخ الثقافة الاستشراقية الغربية، نردد ما يقال لنا على أنه الحقيقة، فاغتربنا عن ذاتنا وفقدنا هويتنا الثقافية والمجتمعية. تقاتلنا على الهوية والمذهب والعرق والدولة، وكلها تحولت إلى هويات قاتلة نتصارع عليها منذ قرن، بينما تراكمت ملايين الضحايا دون جدوى.
جربنا في القرن الماضي أيديولوجيات كبرى: البعثية، الناصرية، والدينية الأحادية. كلها فشلت، بل حولت مجتمعاتنا إلى كتل متجانسة واهنة قضت على الاختلاف والتنوع الذي هو سر الحياة. فالتقدم لا يحدث في مجتمعات الفوضى والاضطرابات، بل في مجتمعات مستقرة قائمة على العدالة لا على القهر والعنف. فالاستقرار المنشود لا يمكن بناؤه على أسس هشة من دون عدالة، لأن من يبحث عن الاستقرار بعيدًا عن العدالة الأخلاقية والمؤسسية لن يحصد إلا المزيد من الضعف.
لربما تمثل فلسفة التعايش المشترك وأخوة الشعوب، مخرجًا محتملاً من هذه الفوضى. هذه الفلسفة لا تعني الذوبان أو الإنهاء القسري للاختلافات، بل تعني ببساطة: الاعتراف بحق الاختلاف وواجب المساواة. حين نتحدث عن التعايش بين أبناء الوطن الواحد، فإننا نتحدث عن سياسات تعليمية وتربوية واقتصادية تعزز هذا الخيار، وتنهي كل المفردات المضادة له.
بناء هوية وطنية مشتركة لا يكون إلا على قاعدة الاعتراف بحقيقة التنوع في المجتمع، والعمل على مشروع متكامل للاندماج الوطني. مظاهر العنف والفوضى في بلادنا ليست نتيجة التنوع نفسه، بل نتيجة غياب صيغة حضارية تجمع بين حقيقة الاختلاف التي لا يمكن إنهاؤها وبين ضرورات العيش المشترك.
كما يصف جوزيف ياكوب في كتابه “ما بعد الأقليات”، نحن أمام انقلاب تاريخي: بعد قرن من انتصار الدولة-الأمة، سيكون القرن الحادي والعشرون قرن تحطيمها. وهذا يفرض علينا إعادة النظر في مفهوم الدولة القومية، والاعتراف بإمكانية توزيع السلطة والحكم الذاتي والتمايز المحلي.
يبقى السؤال الجوهري: هل يمكن أن يعيش الإنسان حياة مشتركة مع الآخرين بغض النظر عن هويته؟ إن كان الجواب لا، فهذا يعني أن كوكبنا يضم في مواقع كثيرة حياة آدمية تحتاج إلى الكثير لتغدو إنسانية. أما إن كان الجواب نعم، فعلينا أن نبدأ ببناء هذه الفلسفة على أرض الواقع.



