شهدت الساحة الأوكرانية الروسية، تصعيداً نوعياً في استخدام الطائرات المسيرة (الدرون) الهجومية، تزامناً مع عمليات دفاع جوي مكثفة من كلا الطرفين. يأتي هذا التطور في سياق استراتيجية الحرب غير المتماثلة التي يعتمدها الجانبان، مع تركيز روسي على استهداف البنى التحتية والمناطق الخلفية، ومحاولات أوكرانية لردع الهجمات عبر اعتراض واسع النطاق.
أولاً: العمليات الدفاعية الروسية – إسقاط قياسي للمسيرات
أعلنت وزارة الدفاع الروسية، في بيان رسمي صدر صباح اليوم الاثنين، أن منظومات الدفاع الجوي التابعة للقوات المسلحة الروسية تمكنت، خلال الفترة الممتدة من الساعة 20:00 من مساء يوم 28 يونيو وحتى الساعة 07:00 من صباح يوم 29 يونيو (بتوقيت موسكو)، من اعتراض وتدمير 209 طائرات مسيرة أوكرانية.
ووفقاً للبيان، توزعت عمليات الاعتراض على نطاق جغرافي واسع شمل مقاطعات: بيلغورود، بريانسك، كالوغا، كورسك، أوريول، روستوف، سمولينسك، تفير، تولا، بالإضافة إلى إقليم كراسنودار، ومنطقة موسكو، وجمهورية القرم، فضلاً عن المجال الجوي فوق مياه بحر آزوف والبحر الأسود. يُعد هذا العدد من المسيرات المُسقطة من الأعلى منذ بدء الموجة الأخيرة من الهجمات، مما يشير إلى توسع رقعة الهجمات الأوكرانية واستهدافها لمناطق متعددة في العمق الروسي.
ثانياً: الدفاعات الأوكرانية – نسبة اعتراض مرتفعة رغم كثافة الهجوم
في المقابل، أفادت القوات الجوية الأوكرانية، في بيان لها، بأن الدفاعات الجوية تمكنت من إسقاط أو تعطيل 82 طائرة مسيرة من أصل 108 طائرات هجومية وخداعية أطلقتها القوات الروسية خلال هجوم ليلي واسع استهدف البلاد. وأوضح البيان أنه حتى الساعة الثامنة من صباح اليوم، جرى تحييد 82 مسيرة فوق المناطق الشمالية والجنوبية والشرقية من أوكرانيا، في حين سُجلت إصابات مباشرة لـ 25 مسيرة هجومية في 11 موقعاً مختلفاً، وتناثرت شظايا المسيرات المُسقطة في 4 مناطق أخرى. ويشير هذا إلى نجاح نسبي لمنظومات الدفاع الأوكرانية في التصدي لأكثر من 75% من الطائرات المهاجمة، رغم التنوع التكتيكي الروسي باستخدام طائرات خداعية لاستنزاف القدرات الدفاعية.
ثالثاً: الحصيلة البشرية والأضرار الميدانية
أعلنت السلطات الأوكرانية عن سقوط قتلى وجرحى في مقاطعتي سومي وزابوريجيا نتيجة الهجمات الروسية المكثفة التي جمعت بين الطائرات المسيرة والقنابل الجوية والمدفعية الثقيلة. وفي تفاصيل أكثر، صرح رئيس الإدارة العسكرية في زابوريجيا، إيفان فيدوروف، بأن القوات الروسية نفذت خلال يوم واحد ما يزيد على 973 ضربة استهدفت 45 بلدة ومدينة في المقاطعة الواقعة جنوب شرق أوكرانيا، مما أفضى إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 28 آخرين بجروح متفاوتة.
كما تعرضت مقاطعة دنيبروبتروفسك (شرق البلاد) لأكثر من 40 هجوماً جوياً متنوعاً باستخدام المسيرات والمدفعية والقنابل، ما أسفر عن إصابة شخصين، وفقاً للسلطات المحلية. وفي خاركيف، أُسقطت ضربة صاروخية على بلدة زمييف في منطقة تشوهويوف، أدت إلى مقتل شخص وإصابة 7 آخرين، في مؤشر على استمرار سياسية الضغط الروسية على المدن والبلدات القريبة من خطوط التماس.
تُظهر هذه الأرقام تحولاً ملحوظاً في نمط العمليات القتالية، حيث أصبحت الهجمات بالمسيرات عنصراً محورياً في استراتيجية الطرفين، سواء من حيث الكثافة العددية أو التنوع الجغرافي. كما تعكس قدرة كييف على تنفيذ هجمات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية، في حين تواصل موسكو اعتماد تكتيك الإرهاق عبر الاستهداف المتواصل للمناطق الخلفية والبنى الحيوية. ومن ناحية أخرى، يُبرز نجاع الدفاعات الجوية لكلا الجانبين – رغم التفاوت في الأعداد – تطوراً في منظومات الحرب الإلكترونية والرادارية، لكنه في الوقت ذاته يطرح تساؤلات حول استدامة هذه القدرات في مواجهة موجات هجومية متزايدة.
يؤكد تبادل الهجمات بالمسيرات بين روسيا وأوكرانيا استمرار حالة التصعيد، مع استمرار الخسائر البشرية والمادية في صفوف المدنيين، رغم الجهود الدفاعية الكبيرة. ويبقى المشهد مرشحاً لمزيد من التطور، خاصة مع احتمال استخدام أنظمة مسيرة أكثر تطوراً أو تكثيف الضربات في الفترة المقبلة، مما يستدعي متابعة دقيقة من المجتمع الدولي لاحتواء التداعيات الإنسانية والأمنية لهذا النمط المتجدد من الحرب.



