• Home  
  • احتلال العراق 2003: عقدان من الفوضى والدمار والفساد
- رأي ومقالات

احتلال العراق 2003: عقدان من الفوضى والدمار والفساد

عباس كامل في فجر يوم 20 آذار (مارس) من عام 2003، انطلقت أولى الطائرات الحربية الأمريكية والقوات البريطانية نحو الأجواء العراقية، لتبدأ بذلك واحدة من أكثر الحروب إثارة للجدل في التاريخ الحديث. لم يكن هذا الغزو مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كان نقطة تحول مصيرية في تاريخ العراق والمنطقة بأسرها، حملت معها وعوداً بالديمقراطية والحرية، […]

عباس كامل

في فجر يوم 20 آذار (مارس) من عام 2003، انطلقت أولى الطائرات الحربية الأمريكية والقوات البريطانية نحو الأجواء العراقية، لتبدأ بذلك واحدة من أكثر الحروب إثارة للجدل في التاريخ الحديث. لم يكن هذا الغزو مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كان نقطة تحول مصيرية في تاريخ العراق والمنطقة بأسرها، حملت معها وعوداً بالديمقراطية والحرية، لكنها سرعان ما تحولت إلى كابوس مستمر من العنف والفساد والانهيار.

سقطت بغداد في 9 نيسان (أبريل) 2003، في مشهد أيقوني تمثل بتمثال صدام حسين وهو ينهار وسط جنود أمريكيين وعراقيين. كان ذلك إيذاناً بنهاية حكم دام أكثر من ثلاثة عقود، لكنه كان أيضاً إيذاناً ببداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً ودموية.

من الظلم بمكان إلقاء اللوم على الجيش العراقي في انهياره السريع دون فهم السياق التاريخي الكامل. لقد أدخل النظام البعثي الصدامي هذا الجيش في دوامة من الحروب المتتالية التي استنزفت قدراته البشرية والمادية على مدى عقدين كاملين:

الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988): حرب دامت ثماني سنوات كاملة، خلفت أكثر من نصف مليون قتيل عراقي، ومئات الآلاف من الجرحى والمعاقين، واستنزفت الخزينة العراقية بالكامل، وأغرقت البلاد في ديون خارجية طائلة تجاوزت 130 مليار دولار.

غزو الكويت (1990) وحرب تحرير الكويت (1991): بعد عامين فقط من انتهاء الحرب مع إيران، قاد صدام حسين الجيش العراقي لغزو الكويت، ليشعل بذلك حرباً جديدة مع تحالف دولي ضخم قادته الولايات المتحدة. أسفرت هذه الحرب عن تدمير البنية التحتية العراقية بشكل منهجي، وفرض عقوبات اقتصادية خانقة استمرت 13 عاماً.

العقوبات الاقتصادية (1991-2003): هذه الفترة كانت الأكثر قسوة على الجيش العراقي. منع استيراد قطع الغيار والذخائر والمعدات العسكرية، مما حول الجيش العراقي – الذي كان رابع أكبر جيش في العالم – إلى هيكل عظمي بالكاد قادر على الحركة. كما أن الحصار الاقتصادي أدى إلى وفاة أكثر من مليون عراقي، نصفهم من الأطفال، وفق تقارير أممية.

لم تكن حروب صدام حسين نتيجة حسابات استراتيجية عقلانية، بل كانت انعكاساً لأمراض نفسية خطيرة تمثلت في:

– حب الزعامة والقيادة: اعتقد صدام حسين أنه نابليون العرب الجديد، وأنه قادر على مواجهة العالم بأسره.

– الانفراد بالقرارات المصيرية: لم يكن هناك أي دور للمؤسسات أو قادة الجيش أو حتى الحزب في اتخاذ قرارات الحرب والسلم.

– النزعة القومية الشوفينية: أحلامه بتوحيد العرب تحت قيادته كلفت العراقيين ثمناً باهظاً.

– عقدة النفس والغرور المرضي: دفعت به إلى تحدّي أمريكا وحلفائها دون أي تقدير حقيقي لميزان القوى.

لقد دفع المجتمع العراقي ثمناً باهظاً لهذه الأمراض النفسية التي كان يعاني منها الديكتاتور المخلوع، الذي لم يُلقِ أي وزن للحياة البشرية أو للمصالح العليا للشعب العراقي.

بعد سقوط نظام صدام حسين، فتح الاحتلال الأمريكي أبواب الجحيم على مصراعيها. ظهرت في العراق أحزاب وتنظيمات متعددة لم يسمع بها العراقيون من قبل، أحزاب ذات طابع طائفي وقومي ضيق، بل وأحزاب ذات طابع غير إنساني، كان هدفها الأول والأخير هو:

– سرقة ثروات العراق: تحولت مؤسسات الدولة إلى آليات لنهب المال العام.

– تدمير الاقتصاد بالكامل: من خلال سياسات الفساد المنظم والمحاصصة الطائفية.

– تفكيك النسيج الاجتماعي: عبر زرع الطائفية والبغضاء بين أبناء الشعب الواحد.

المؤلم أن ما حل بالعراق بعد الاحتلال هو أسوأ من الاحتلال نفسه. فقد انتشرت ظواهر مرعبة أصبحت جزءاً من الحياة اليومية:

– الاعتداء على المدنيين: عمليات قتل جماعي على أساس الهوية الطائفية والعرقية.

– قتل الهوية الإنسانية: تحول الإنسان العراقي من مواطن له كرامة إلى مجرد رقم في معادلات السلطة.

– تشتيت المجتمع: هجرة الأدمغة، ونزوح العائلات، وتفكك الأسر.

– قتل النساء والخطف: ارتفاع مخيف في جرائم الاختطاف والقتل ضد النساء والأطفال.

– صناعة الميليشيات: ظهور ميليشيات مسلحة تابعة للأحزاب الطائفية بشقيه السني والشيعي، تعمل خارج إطار الدولة وتتقاسم النفوذ والثروة.

اليوم، ونتيجة لكل هذه الظروف المتراكمة – الحروب المتعاقبة، الاحتلال، الفوضى، الفساد، الطائفية – يعيش العراق حالة من عدم الاستقرار المتكامل:

على الصعيد السياسي: لا توجد دولة حقيقية بالمعنى الحديث، بل هناك نظام محاصصة هش تعمل فيه الأحزاب على تقاسم الغنائم وليس بناء مؤسسات.

على الصعيد الأمني: لا يزال العراق يعاني من وجود خلايا إرهابية وميليشيات مسلحة وعصابات إجرامية منظمة.

على الصعيد الاقتصادي: رغم عائدات النفط التي تجاوزت تريليون دولار خلال عقدين، لا يزال العراق يعيش أزمة بطالة وفقر وانهيار للخدمات الأساسية.

لقد جعلت هذه السياسات الحمقاء المتتالية – سياسات حزب البعث أولا، ثم سياسات قوى الإسلام السياسي التي تسلطت بعد الاحتلال، وسياسات القمع الفكري لكل المعارضين – من العراق بلداً متخلفاً أكثر فأكثر.

العراق اليوم يقف عند مفترق طرق خطير. إن استمرار هذه السياسات دون تغيير جذري يعني استمرار معاناة 43 مليون عراقي. والحل لن يأتي إلا من خلال:

– إعادة بناء الدولة على أسس وطنية غير طائفية

– محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين

– حل الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة

– بناء اقتصاد منتج بدل اقتصاد الريع والفساد

هذه هي نتائج الاحتلال الأمريكي للعراق بعد أكثر من عقدين. احتلال بدأ بوعود الحرية وانتهى بكابوس الفساد والفوضى.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026