• Home  
  • شباب العراق بين طموح التغيير وقسوة الواقع: معاناة تبحث عن حلول
- بيئة واقتصاد

شباب العراق بين طموح التغيير وقسوة الواقع: معاناة تبحث عن حلول

محمد العجيلي يشكّل الشباب في العراق نسبةً كبيرة من التركيبة السكانية، ما يجعلهم الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي حقيقي. غير أن هذه الفئة الحيوية تعيش اليوم واقعاً بالغ التعقيد، تتشابك فيه الأزمات الهيكلية مع الإحباط الاجتماعي، وتتقاطع فيه البطالة مع التهميش، لترسم صورة قاتمة لجيل يملك الطاقة والطموح، لكنه يفتقر إلى الفرص والأدوات. فبين غياب […]

محمد العجيلي

يشكّل الشباب في العراق نسبةً كبيرة من التركيبة السكانية، ما يجعلهم الركيزة الأساسية لأي مشروع تنموي حقيقي. غير أن هذه الفئة الحيوية تعيش اليوم واقعاً بالغ التعقيد، تتشابك فيه الأزمات الهيكلية مع الإحباط الاجتماعي، وتتقاطع فيه البطالة مع التهميش، لترسم صورة قاتمة لجيل يملك الطاقة والطموح، لكنه يفتقر إلى الفرص والأدوات. فبين غياب فرص العمل الحقيقية، ونقص المهارات المهنية المطلوبة في سوق العمل، وضعف المشاركة في صنع القرار، يجد الشباب العراقي نفسه أمام خيارين قاسيين: الهجرة أو اليأس.

رغم ما تمتلكه البلاد من ثروات طبيعية هائلة، لا يزال الشباب يعانون من نقص حاد في فرص العمل، واعتماد متزايد على القطاع العام الذي لم يعد قادراً على استيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين سنوياً. وقد أدى هذا الخلل البنيوي إلى توسّع دائرة الفقر والبطالة، وتحوّل فئة واسعة من الشباب إلى قوة عاملة معطّلة، تعيش على هامش الاقتصاد وتفتقد أبسط مقومات الاستقرار المالي.

تكشف التقارير أن نحو 60% من الشباب يفتقرون إلى المهارات المهنية الضرورية التي يتطلبها سوق العمل الحديث. ويعود ذلك إلى ضعف جودة التعليم وعدم ارتباطه باحتياجات القطاعات الإنتاجية والخدمية، إضافة إلى غياب برامج التدريب والتأهيل الفعّالة. ونتيجة لذلك، يجد الشباب أنفسهم خارج دائرة المنافسة، عاجزين عن تحويل شهاداتهم الأكاديمية إلى فرص حقيقية تفتح أمامهم أبواب المستقبل.

يواجه الشباب شعوراً متصاعداً بالتهميش والإقصاء، إذ تبقى مشاركتهم في الحياة العامة وصنع القرار محدودة للغاية. ويشعر كثيرون بأنهم مجرد أرقام في إحصاءات رسمية، لا شركاء في بناء الوطن أو رسم ملامح سياسته. هذا الإقصاء لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل يمتد إلى الحياة الاجتماعية والثقافية، حيث تضعف القنوات التي تتيح للشباب التعبير عن آرائهم وطموحاتهم بحرية وكرامة.

لم تقتصر تداعيات هذه الأوضاع على الجوانب الاقتصادية والسياسية، بل انعكست بعمق على الصحة النفسية والاجتماعية للشباب. فقد انتشر اليأس والقلق والاكتئاب، إلى جانب ظواهر مقلقة مثل تعاطي المخدرات، والعنف الأسري، والتأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي التي تضخّ مشاعر الإحباط والمقارنة القاتلة. وهكذا، يجد الشباب أنفسهم محاصرين بين ضغوط الواقع وسموم الفضاء الرقمي، بلا متنفس حقيقي أو دعم نفسي كافٍ.

دفع النشطاء من الشباب ثمناً باهظاً لمطالبتهم بالتغيير في مختلف الظروف السياسية والاقتصادية، حيث تعرّضوا لاعتقالات ومضايقات أمنية. وقد شكّل هذا رسالة مقلقة لكل من يحاول رفع صوته، وأسهم في إضعاف الثقة بين الشباب ومؤسسات الدولة، وخلق بيئة من الخوف والتردد تحول دون أي مبادرة إصلاحية حقيقية.

يعاني طلاب الجامعات، ذكوراً وإناثاً، من جعل المؤسسات الأكاديمية تابعة لأحزاب سياسية أو للسلطة الحاكمة، التي تفرض مناهج دراسية تبتعد عن المعايير التعليمية المعمول بها في العراق سابقاً، أو المعتمدة حالياً في دول العالم المتقدمة. ولم تؤسَّس الجامعات على أساس تربوي واجتماعي صحيح يصنع من الشباب قادة سياسيين واقتصاديين واجتماعيين، بل غابت البرامج الأساسية وتراجعت جودتها، ما جعل الجامعة جزءاً من معاناة الشباب لا حلاً لها.

ويضاعف الفساد المتفشي من هذه المعاناة، إذ تحوّلت الجامعات الأهلية إلى عبء اقتصادي ثقيل، حيث يدفع الطالب مبالغ تفوق قدرة عائلته المالية، تصل في بعض الأحيان إلى أربعة ملايين دينار سنوياً، ما يدفع كثيرين إلى ترك الدراسة قسراً. وهكذا، يصبح الفقر والفساد توأمين يغلقان أبواب العلم في وجه من يحلم بمستقبل أفضل.

هذا غيض من فيض ظروف الشباب في العراق. فكيف تستطيع الحكومة الحالية أن تفتح آفاقاً حقيقية أمام الخريجين، أو أولئك الذين تركوا الدراسة لأسباب اقتصادية خارجة عن إرادتهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية لمجتمع لا يمكن أن ينهض دون شبابه. فإما أن تُفتح أمامهم أبواب الفرص والمشاركة والكرامة، وإما أن يستمر نزيف الكفاءات والطاقات إلى خارج الوطن، في خسارة لا تعوّض.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026