
أحمد عز الدين
أنتجت ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى نظاماً إقليمياً قائماً على الدول القومية، ومنحت تركيا وإيران موقعاً مؤثراً في توازنات الشرق الأوسط. وعلى الرغم من اختلاف تحالفاتهما وأيديولوجياتهما، أدّت الدولتان أدواراً متقدمة في إدارة الصراعات الإقليمية وخدمة مصالح القوى الكبرى خلال مراحل مختلفة.
كانت إيران في عهد الشاه حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة، قبل أن تتحول بعد ثورة عام 1979 إلى خصم لواشنطن وتتبنى مشروعاً إقليمياً يستند إلى بناء شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة. وأسهم تمدد نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن في تكريس حضورها قوةً إقليمية، لكنه منح الولايات المتحدة وإسرائيل في الوقت نفسه مبرراً لتصعيد الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية عليها.
أما تركيا، فقد حافظت لعقود على موقعها داخل المنظومة الغربية بوصفها عضواً في حلف شمال الأطلسي، قبل أن تتغير سياستها الخارجية مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2002. ومنذ ذلك الحين، اتجهت أنقرة إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط بالاستناد إلى خطاب إسلامي سني وعلاقات مع قوى قريبة من جماعة الإخوان المسلمين، بالتوازي مع استعادة رمزية الإرث العثماني في خطابها السياسي.
ومنذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، دخل الشرق الأوسط مرحلة إعادة تشكيل متواصلة، بدأت بحرب الخليج الثانية، ثم الغزو الأميركي للعراق عام 2003، مروراً بانتفاضات الربيع العربي، وصولاً إلى الحرب السورية والصراعات التي أعقبتها. ولم تؤدِّ هذه التحولات إلى استقرار المنطقة، بل أضعفت دولاً مركزية ووسعت نطاق التدخلات الخارجية وفتحت الباب أمام إعادة توزيع النفوذ.
ضمن هذا السياق، يمكن النظر إلى أحداث السابع من تشرين الأول وما أعقبها بوصفها نقطة تحول في مستقبل القوتين الإيرانية والتركية. فقد وجدت إيران نفسها أمام مواجهة مباشرة تهدد نفوذها وشبكة حلفائها، بعدما كانت تعتمد طوال سنوات على إدارة الصراع من خلال حلفائها خارج حدودها.
حاولت طهران تجنب الانخراط المباشر في حرب واسعة، لكنها لم تتمكن من منع انتقال المواجهة إلى داخل أراضيها. وأظهر ذلك أن مشروعها الإقليمي لم يعد يؤدي الوظيفة السابقة، وأن الأدوات التي منحتها نفوذاً واسعاً تحولت إلى مصدر ضغط وتهديد لبنية النظام نفسه.
وفي المقابل، تدرك تركيا أن التحولات الجارية قد تطاول دورها الإقليمي ووحدتها الداخلية. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة مبادرة دولت بهتشلي تجاه حل القضية الكردية وفتح مسار تفاوضي مع عبد الله أوجلان باعتبارها محاولة لسحب إحدى أبرز أوراق الضغط على الدولة التركية، ومنع توظيف الملف الكردي في الصراعات المقبلة.
غير أن نجاح هذا المسار لا يزال مرتبطاً بحسابات الرئيس رجب طيب أردوغان وصراعه من أجل البقاء في السلطة. فمعالجة القضية الكردية تحتاج إلى تحول سياسي وقانوني عميق، لا إلى تسوية مؤقتة تفرضها الضرورات الإقليمية أو الحسابات الانتخابية. كما أن اعتماد السلطة التركية على الأزمات في إدارة الداخل يثير الشكوك بشأن قدرتها على تحويل مبادرة السلام إلى حل دائم.
ويظل التنافس بين تركيا وإسرائيل أحد أهم مسارات الصراع المقبل. فتركيا تختلف عن إيران بحكم عضويتها في حلف شمال الأطلسي وارتباطها الأمني والاقتصادي بالغرب، فضلاً عن امتلاكها جيشاً كبيراً وصناعة دفاعية متنامية. لذلك لن تكون مواجهتها بالآليات نفسها المستخدمة ضد طهران، بل عبر الضغوط السياسية والاقتصادية والتحالفات الإقليمية وتقييد قدرتها على التوسع.
وتنظر أنقرة بقلق إلى تنامي التعاون العسكري بين إسرائيل واليونان وقبرص، وإلى تعزيز القدرات الدفاعية اليونانية وتوسيع الشراكات الأمنية في شرق المتوسط والقوقاز والبلقان. ومن وجهة النظر التركية، يشكل هذا المسار محاولة لتطويق نفوذها وتقليص هامش حركتها الإقليمية، ولا سيما في ملفات الطاقة والحدود البحرية وقبرص.
في المقابل، تسعى إسرائيل إلى ترسيخ موقعها قوةً إقليمية تتجاوز قدراتها العسكرية حدود الشرق الأوسط. وتظهر خطط تقليل اعتمادها التدريجي على المساعدات العسكرية الأميركية، بالتوازي مع توسيع التعاون الدفاعي والتكنولوجي مع واشنطن، أن العلاقة بين الطرفين تتجه نحو شراكة أكثر اندماجاً، لا نحو الانفصال.
ويأتي “اتفاق مكة” بين تركيا والسعودية وباكستان ضمن محاولات بناء كتلة دفاعية جديدة في المنطقة. فالدول الثلاث تمتلك عناصر قوة متكاملة: الإمكانات المالية السعودية، والقدرات العسكرية والصناعية التركية، والردع النووي الباكستاني. لكنها تتحرك أيضاً بدافع القلق من تنامي القوة الإسرائيلية وتراجع الثقة بالضمانات الأميركية التقليدية.
ورغم تقديم الاتفاق بوصفه إطاراً للتعاون الدفاعي، فإنه قد يزيد الاستقطاب الإقليمي إذا تحول إلى تحالف سني في مواجهة إيران. وسيكون هذا السيناريو خطراً على تركيا نفسها، لأنه قد يضعها في قلب صراع مذهبي وإقليمي مفتوح، بدلاً من أن يوفر لها الحماية التي تبحث عنها.
كما أن السياسات التركية خلال السنوات الماضية راكمت ملفات خلافية يصعب تجاهلها، من شراء منظومة الدفاع الروسية “إس-400″، إلى وجود قواتها داخل العراق وسوريا، وتدخلها في ليبيا، فضلاً عن تنافسها مع إسرائيل في شرق المتوسط وسوريا ومناطق أخرى. وقد تتحول هذه الملفات إلى أدوات ضغط على أنقرة مع اشتداد الصراع على قيادة المنطقة.
إن المواجهة بين إيران وتركيا وإسرائيل ليست مجرد صراع عسكري أو تنافس على مساحات النفوذ، بل هي مواجهة بين ثلاثة مشاريع سياسية مختلفة. إيران تسعى إلى الحفاظ على شبكة نفوذ بنتها خلال عقود، وتركيا تحاول تثبيت دورها قوةً إقليمية مستقلة، فيما تعمل إسرائيل على استثمار تراجع خصومها لتصبح القطب الأكثر تأثيراً في الشرق الأوسط.
ولا تخشى بعض الدول العربية بالضرورة ظهور قطب إقليمي جديد بقدر خشيتها من استبعادها من ترتيبات المنطقة المقبلة. فهذه الدول تدرك أن النظام الإقليمي الذي نشأ خلال القرن الماضي يواجه أزمة عميقة، ولذلك تحاول ضمان موقع لها في أي صيغة سياسية أو أمنية جديدة.
لقد أخفقت مشاريع إعادة بناء المنطقة في أفغانستان والعراق، وأظهرت أن إسقاط الأنظمة أو إضعاف الدول لا يؤدي تلقائياً إلى قيام نظام مستقر. ومع ذلك، تستمر محاولات إعادة تشكيل الشرق الأوسط عبر إنهاك القوى القديمة، وبناء تحالفات جديدة، وإعادة توزيع أدوار الدول.
ولا يجري الصراع الحالي بين دول المنطقة والقوى الكبرى في مسارين منفصلين، بل تتداخل فيه المصالح المحلية والإقليمية والدولية. وفي قلب هذا التداخل، تبدو إسرائيل الطرف الأكثر استعداداً للاستفادة من إضعاف إيران وتقييد تركيا، مستندة إلى دعم غربي واسع وقدرات عسكرية وتكنولوجية متقدمة.
لكن صعود أي قطب جديد لا يعني بالضرورة ولادة شرق أوسط أكثر استقراراً. فإذا استمرت التحولات عبر الحروب والاستقطاب المذهبي وتفكيك الدول، فلن تكون النتيجة نظاماً إقليمياً جديداً بقدر ما ستكون دورة أخرى من الصراع، تتغير فيها مواقع القوى وتبقى أزمات شعوب المنطقة من دون حل.


