
صبحي البدري – رئيس التحرير
في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2026، يستيقظ العراق على واقع جديد: لا قوات أميركية ولا بريطانية على أراضيه، ولا مهام قتالية للتحالف الدولي في سمائه. أعلن رئيس الوزراء علي فالح الزيدي رسمياً انتهاء مهمة التحالف الدولي لمحاربة داعش، وحدد الأول من تشرين الأول “يوم السيادة”، عطلة رسمية تمتد أربعة أيام. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تكفي إعلانات السيادة لبناء سيادة حقيقية؟
لم يكن انسحاب القوات الأجنبية وليد لحظة واحدة، بل جاء نتيجة ضغط مزدوج: تفاهمات سياسية مع واشنطن، وإصرار الفصائل المسلحة والحشد الشعبي على إنهاء الوجود الأجنبي. غير أن هذا الإصرار يحمل في طياته مفارقة خطيرة: الفصائل التي طالبت بإنهاء الوجود الأميركي هي ذاتها التي تمتلك أسلحة خارج إطار الدولة، وتشن هجمات بالصواريخ والمسيّرات. فكيف يمكن لسيادة يُعلن عنها في بغداد أن تتحقق بينما قرار الحرب والسلم موزع بين الدولة وفصائل ترفض تسليم سلاحها؟ إن معادلة “السيادة الكاملة” تبدو ناقصة إذا لم تُحسم مسألة السلاح المنفلت، وهو الملف الذي يؤجل منذ سنوات ويُطرح اليوم كأولوية معلنة.
يقر خبراء عسكريون عراقيون بأن الجيش والقوة الجوية حققا تقدماً ملموساً. يقول قائد القوة الجوية الفريق الطيار خالد التميمي إن طائرات “إف-16” العراقية نفذت مهام قتالية لأكثر من عشرة أيام دون تدخل أجنبي، وإن الصيانة تُنفذ بكفاءة عراقية كاملة. لكن هذا التقدم لا يخفي ثغرة جوهرية: قيادة الدفاع الجوي أبلغت البرلمان قبل شهر بعدم قدرتها على حماية كامل الأجواء العراقية. إقليم كردستان وحده تعرض لأكثر من ألف هجوم بالصواريخ والمسيّرات خلال الأشهر الماضية، دون أن يملك منظومة دفاع جوي. فكيف تطمئن بغداد شعبها بسيادة كاملة وسماء مكشوفة؟ إن الفجوة بين الخطاب الرسمي والقدرة الفعلية هي أخطر ما يواجه مشروع السيادة.
الطمأنينة لا تأتي من الإعلانات، بل من ثلاثة اختبارات عملية:
أولاً، حصر السلاح فعلياً: لا سيادة مع وجود سلاح خارج الدولة، سواء كان سلاح فصائل موالية أو معارضة. تقديرات خبراء تشير إلى أن مسار حصر السلاح قد يستغرق ثمانية إلى تسعة أشهر. لكن النجاح في هذا الملف يتوقف على معادلة صعبة: كيف تُدمج الفصائل في المؤسسة الأمنية دون أن تفرض شروطها؟ وكيف تُنزع الأسلحة الثقيلة من جماعات ترى في سلاحها ضمانة وجودية؟
ثانياً، سد ثغرة الدفاع الجوي: الحكومة تتحدث عن خطة ثلاث سنوات لتحديث المنظومة، لكن ثلاث سنوات فترة طويلة في منطقة ملتهبة. تسريع المفاوضات لاقتناء منظومات متوسطة المدى، وتنويع مصادر السلاح بعيداً عن مورّد واحد، ضرورة لا ترف. كما أن بناء قدرات سيبرانية واستخباراتية مستقلة بات أولوية لا تقل عن التسليح التقليدي.
ثالثاً، شراكة إقليمية متوازنة: لا يعني الانسحاب الأميركي القطيعة. التعاون الاستخباراتي والتدريب مستمر، لكن بصيغة تحفظ للعراق قراره. وبناء علاقات متوازنة مع الجوار الإقليمي، بعيداً عن الاصطفافات، هو الضمانة الحقيقية لسيادة لا تُخترق. فالعراق الذي يعيش بين جيران متنافسين لا يستطيع أن يكون ساحة لصراعاتهم، وإلا دفع ثمن سيادته مرتين.
السيادة الحقيقية ليست غياب القوات الأجنبية فحسب، بل قدرة الدولة على فرض إرادتها داخل حدودها. وفي اليوم الثاني للسيادة، يبقى العراق أمام اختبار صعب: أن يثبت أن “يوم السيادة” كان بداية، لا نهاية. فالشعب الذي احتفل في الشوارع ينتظر أفعالاً لا أقوالاً، وأمناً لا شعارات.


