في توقيت بالغ الدلالة، وجّه الحرس الثوري الإيراني رسالة مفتوحة من 25 صفحة إلى الناخبين الأميركيين قبل خمسة أسابيع من انتخابات الكونغرس المقررة في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، داعياً إياهم إلى رفض سياسات الرئيس دونالد ترامب واختيار “التعايش السلمي” مع طهران. وتزامنت هذه الخطوة الدعائية مع إعلان العراق اكتمال انسحاب القوات الأميركية من أراضيه، في خطوة اعتبرتها طهران انتصاراً استراتيجياً.
الرسالة الإيرانية: محتوى وتوقيت
أعلن المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي، خلال مؤتمر صحفي في طهران، أن الرسالة الموجهة للشعب الأميركي تتضمن دعوة صريحة للناخبين لـ”رفض سياسات ترامب” و”قبول عرض التعايش السلمي” الذي تقدمه إيران.
ووفقاً لوكالة رويترز، تضمنت الرسالة:
– انتقاداً حاداً لدعم واشنطن لإسرائيل وتدخلها العسكري في الخارج.
– ادعاءً بأن ترامب “يخفي الطبيعة السلمية” للبرنامج النووي الإيراني.
– وصف ترامب بأنه “كذاب مزمن” و”جشع للغاية”، وأن “الأمن القومي الأميركي وحياة الجنود” تُوكل إلى “شخص هدفه الوحيد جمع المزيد من الثروة”.
– تأكيداً على أن “الشعب الأميركي لا يعرف الكثير من الحقائق، ونعتقد أنهم لو عرفوا أكثر لكانت أفكارهم وقراراتهم مختلفة”.
اعترف المتحدث باسم الحرس الثوري بأنه “لا يتوقع أن تغيّر الرسالة سلوك الحكومة الأميركية” قبل خمسة أسابيع من الانتخابات، لكنه أشار إلى أن “الناخبين ربما يسمعون الرسالة”.
وفيما يتعلق بمضيق هرمز، رفض محبي المزاعم الأميركية بأن إيران فقدت السيطرة على المضيق، قائلاً: “حقيقة أن الأميركيين قد يتمكنون، بتكلفة باهظة ومخاطر عالية، من تمرير سفينة صغيرة تحت جنح الظلام لتصدير 100 أو 200 برميل من النفط، لا تعني أن المضيق مفتوح”.
خلفية الحرب
اندلعت الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى في شباط/فبراير 2026، حيث شنت إيران هجمات على المصالح الأميركية في المنطقة قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في نيسان/أبريل. ووقّع الطرفان مذكرة تفاهم في حزيران/يونيو لوقف الأعمال العدائية والحفاظ على الملاحة في مضيق هرمز، لكن التنفيذ تعثر بسبب خلافات تتعلق بالأمن في الممر الاستراتيجي.
الانسحاب الأميركي من العراق: نهاية حقبة
أعلن المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية، صباح النعمان، أن “القوات الأميركية وقوات التحالف الدولي ستُكمل عملية انسحابها من العراق في 30 أيلول/سبتمبر”، مؤكداً أنه “لا توجد أي قوات أو قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي العراقية”.
وكان وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين قد أعلن في 28 أيلول/سبتمبر اكتمال انسحاب القوات الأميركية، قبل موعدها المقرر بيومين.
أرقام وحقائق
القوات الأميركية المتبقية قبل الانسحاب نحو 2,500 جندي. مدة الوجود العسكري الأميركي منذ 2003 (غزو العراق)، مع انسحاب جزئي في 2011، وعودة في 2014 لمواجهة داعش.
انسحاب إيطاليا أكملت انسحابها في 29 أيلول/سبتمبر، منهية 12 عاماً من التواجد العسكري
طبيعة المرحلة المقبلة، تحول العلاقة إلى “شراكة ثنائية” تشمل التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
وقال النعمان: “وضعنا الأمني جيد ونحن نسيطر على كامل الأراضي العراقية. لا توجد مخاوف أمنية”.
الأهمية الاستراتيجية
يمثل الانسحاب نقطة تحول في مسار الوجود العسكري الأميركي في العراق، بعد أكثر من عقدين من الغزو الذي أطاح بنظام صدام حسين. وتعتبر طهران هذا الانسحاب خطوة نحو هدفها المعلن بإخراج القوات الأميركية من الشرق الأوسط بأكمله.
الوساطة القطرية: جهود مستمرة ونتائج غائبة
أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، أن “الاجتماعات والاتصالات الرامية لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال مستمرة”، مشيراً إلى أن الدوحة “تواصل نقل الرسائل بين الطرفين والعمل على بناء أرضية مشتركة تمهد لحل سلمي”.
وقال الأنصاري: “الجهد الآن منصب على بناء أرضية مشتركة بين الجانبين الأميركي والإيراني”، مضيفاً أن اجتماعات عُقدت في نيويورك على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، إضافة إلى لقاءات سابقة.
وصف الأنصاري جهود الوساطة بأنها “شاقة”، مؤكداً أن “أي اتفاق يواجه عقبات، ودور الوساطة هو تذليل الصعوبات ومحاولة جسر الفجوة”.
وفيما يتعلق بالخلافات الجوهرية، أشار الأنصاري إلى أن “دول المنطقة لم تختَر أن تكون جزءاً من هذه الحرب، ولا يوجد صراع بين دول المنطقة وإيران”، مضيفاً أن “إيران هي التي قررت ضرب دول في المنطقة” نتيجة الحرب.
موقف ترامب: تصريحات متكررة دون تغيير
كرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال فعالية “العصر الذهبي” في واشنطن، تأكيده أن “إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً”، واصفاً منعها من الحصول عليه بأنه “قد يُسجل في كتب التاريخ كأحد أهم إنجازات الولايات المتحدة”.
وقال ترامب: “إيران تنهار بشكل كبير… وسينتهي ذلك قريباً جداً، فلن يكون لديها سلاح نووي، وستنخفض أسعار النفط”.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تنتظر فيه طهران رداً رسمياً من واشنطن على مقترح إيراني، وسط استمرار الاتصالات غير المباشرة عبر الوسطاء.
يبدو التزامن بين رسالة الحرس الثوري للناخبين الأميركيين والانسحاب الأميركي من العراق مقصوداً ومدروساً، إذ يهدف إلى:
1. إظهار إيران كطرف قوي قادر على مخاطبة الرأي العام الأميركي مباشرة.
2. الترويج لسردية “الانتصار” عبر إخراج القوات الأميركية من دولة مجاورة.
3. التأثير على الانتخابات النصفية عبر تحريض الناخبين على معارضة سياسات ترامب.
في المقابل، يبدو أن واشنطن وطهران لا تزالان على طرفي نقيض:
– ترامب يرفض رفع العقوبات أو تقديم تنازلات نووية.
– إيران ترفض التخلي عن برنامجها النووي أو نفوذها الإقليمي.
– قطر تحاول جسر الفجوة، لكن دون نتائج ملموسة حتى الآن.
الأثر على أسواق الطاقة
رغم تأكيدات ترامب بأن “أسعار النفط ستنخفض”، تشير بيانات Kpler إلى أن حركة النقل عبر مضيق هرمز استعادت جزئياً في أيلول/سبتمبر، لتصل إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً، أي ما يعادل نصف مستويات ما قبل الحرب فقط. ويظل مضيق باب المندب تحت سيطرة الحوثيين، ما يضاعف الضغط على الممرات البحرية.



