• Home  
  • قراءة في كتاب “قطاف ما بعد الموسم” للكاتب ثامر الحاج أمين
- أدب وفن

قراءة في كتاب “قطاف ما بعد الموسم” للكاتب ثامر الحاج أمين

إعداد: صادق مرزوك يمثل هذا الكتاب انموذجاً مهماً لثقافتنا الوسطية، هكذا مؤلفات بإمكانها أن تعيد هيبة الكتاب وتسحب القراء مرة أخرى إلى ساحة المعرفة، بعد أن ضيعتهم المؤلفات المسلفنة التي ملأت رفوف مؤسساتنا الثقافية، نحن هنا أمام كاتب ألمعي يكتب بقلم وسطي معتدل. في ورقة “عن الذي يأتي متأخراً”، يخالف المؤلف هنا المقولة الدارجة: أن […]

إعداد: صادق مرزوك

يمثل هذا الكتاب انموذجاً مهماً لثقافتنا الوسطية، هكذا مؤلفات بإمكانها أن تعيد هيبة الكتاب وتسحب القراء مرة أخرى إلى ساحة المعرفة، بعد أن ضيعتهم المؤلفات المسلفنة التي ملأت رفوف مؤسساتنا الثقافية، نحن هنا أمام كاتب ألمعي يكتب بقلم وسطي معتدل. في ورقة “عن الذي يأتي متأخراً”، يخالف المؤلف هنا المقولة الدارجة: أن تأتي متأخراً خير من أن لا تأتي.. المخالفة هنا حسب الحاج أمين بقوله ما الجدوى أن تأتي متأخراً؟! وما جدوى أن تأتيك الفرصة بعد فوات الأوان؟!

 ماذا يعني جلاء الغبار عن جمال الأشياء بعد ضعف البصر أو زواله؟!

وهنا يشير الكاتب إلى رسول حمزاتوف بقوله: ها هم يدسون اللحم دساً في فمي وقد فقدت أسناني، وكنت أقتات بالعصيدة وأنا بكامل أسناني..

وفي ورقة “ضحايا الوهم”، يشير الكاتب إلى الوعي المؤدلج ويحاول تقويضه. ولكن لو نخرج عن متن الكتاب: هل نستطيع نحن تفتيت تلك الأدلجة بوعي حر لا يخضع لمرجعيات نظنها هي التي تمتلك مفاتيح المعرفة كما هو ظن الآخر بمرجعياته؟ وهنا يحضر الاصطلاح الشعبي “القافل”، الذي يشير له الكاتب على أنه مرض يفتك بالمفكر من الجهتين.

أرى في هذا الكتاب انفلات من هذه اللاكن فهو مؤلف “بفتح اللام”، يحتوي على عدد من المقالات وأفترض أنها أوراق بحثية لأهميتها وإن قصر مداها، تصب في محاولة الوصول بالقارئ إلى فكر حر عابر لحدود الأدلجة.

وفي ورقة “لنجعل من الاختلاق رحمة”. فأن الكاتب يؤسس لتفتيت مقولة: اختلاف أمتي رحمة، من خلال صراع الهويات بين ماضيها وحاضرها واستشراف مستقبلها، حيث ساهمت هذه الهويات القومية والعقائدية في انتشار بحار من الدم عبر بقاع العالم قديماً في أوربا وعالمنا الإسلامي. ومازالت هذه البحار في عالمنا تتناسل إلى بحار وبحار. وفي العودة لورقة “ضحايا الوهم”، فان كل فئة تصف الفئة الأخرى بأنها ضحية للوهم مهما كانت، سواء من يعتنق فكراً مادياً أو سماوياً أو علمانياً، فإن كل فئة ترى أنها تمتلك مفتاح خزائن المعارف وتجد في غريمتها مجموعة من المغاليق، وهنا يؤكد الكاتب على كلمة القافل في “ورقة المصطلحات الطارئة”. ونعيد التأكيد على أن هذا الكتاب وإن تم إصداره على شكل مجموعة مقالات، لكنه يبدو ككتاب متجانس تتداخل أوراقه مع بعضها البعض لتؤسس لعقل متوازن تنويري..

ولذلك نجد الكاتب حتى في ورقته عن الشاعر النواب، لم يجعل منها مرثية لشاعر راحل بقدر ما بث فيه حياة أخرى ومغايرة، ليجعل من وعي الشاعر نبراساً للتغير ومثالاً ناجزاً للحرية والتحرر من الوهم، وينهل من أي تاريخ كان مادياً أو سماوياً، فهو ينهل من حركات القرامطة وثورة الزنج، وتارة يتفاعل مع كل قضايا الكون ذات البعد اليساري، ولا يهرب من وجه قضيته على حد تعبير النواب..

ولأن أوراق هذا الكتاب في الغالب متداخله بمنهجية الوعي المتدفق، لذلك حين نتصفح مقال ما يعيدنا إلى المقال الأسبق، كما هو الحال عند “تأملات في فضاء المعرفة”. فإنها تعيدنا لورقة “ضحايا الوهم”، أولئك الذين يظنون بأنهم يمتلكون معارف الكون وأسرار الخليقة، وأن معرفتهم عابرة لحدود المنطق. لذا نجد مصداق وهم أولئك بمقال “تأملات في فضاء المعرفة”. حيث يشير ثامر الحاج أمين هنا لحاجة الانسان للمزيد من المعرفة وبشكل متواصل، لأن الإنسان مهما بلغ من المعرفة، فإن العالم المتحرك يجعلنا في شغل دائم كي نلحق بعجلة المعرفة ولو ضمن الإختصاص الواحد، ومهما فعل الإنسان تبقى مساحة استيعابه محدودة، ويستشهد هنا بمقولة هنري فورد صاحب شركة فورد: “أي شخص يتوقف عن التعلم.. هو عجوز”.

ولذلك في ورقة “الكمال مراتب”، يرى الكاتب أن بلوغ الكمال المعرفي هو طريق شائك يحتاج إلى الصبر وقوة الإرادة، لأجل تحقيق مرتبة مقبولة وليس الكمال، وأن هذا الطريق الشائك لا ينبغي أن يشعرنا بالإحباط وإنما بالبحث الدائم. وفي مكان آخر يرى الحاج أمين أن ما يجعل الإنسان يتوقف عن طلب المعرفة والإنغلاق، هو الصراع التقليدي السائد بين المجتمعات، حيث يجعل هذا الصراع وخصوصاً العقائدي من الإنسان منغلقاً على ذاته ولا ينفتح على قبول فكر الآخر. وهنا يعود بنا الكاتب إلى ورقة “هوية ثقيلة”، وصراع الهويات.. وهنا تدخل الخرافة بدل الحقيقة ليكون الإنسان ضحية الوهم كما أسلف المؤلف في بدايات الكتاب بورقة “ضحايا الوهم”.

ويحيلنا هذا الصراع إلى أمراض اجتماعية كما مبين في ورقة “الشماتة”، في تراثنا الشعري كونه مرض اجتماعي يتولد من الكره للآخر وعدم قبول توجهاته، وإن كانت مبنيه على أسس صحيحة، وهذه الأمراض الاجتماعية تحيلنا إلى ورقة “قراءة التاريخ”، وضياع مصداقية ما وصلنا من أحداث تاريخية تسببت في صراع الهويات وخصوصاً العقائدية منها، لأن المفكر العربي في الغالب لم يدخل التاريخ بأسلوب المؤرخ المحايد، تداخلت عنده السياسة مع العقيدة مع التاريخ وبالتالي أدى هذا إلى خلط بغير دراية، وتزييف للحقائق بقصدية ودراية. وتحمل الحادثة الواحدة في التاريخ سرد مختلف باختلاف الهويات المتصارعة.

وهذه الصراعات تدمر الشعوب وتخدم تجار الحروب كما يؤكد الكاتب في ورقة بعنوان “فلسفة تجار الحروب”. وهنا نعيد التأكيد على أن كتاب “قطاف ما بعد الموسم”، وفي أغلبه تجاوز التصنيف المثبت على الغلاف، ليكون سلسلة متجانسة، وكأنه كتاب واحد ذو هدف معرفي تنويري. وهنا نصل إلى ورقة “التعصب.. مرض خطير”، يشير فيها الكاتب إلى خطورة التعصب في وضع الأغلال حول الفكر الحر، حيث يحد التعصب من الإجتهاد وإمكانية الفرد في تطوير عجلة الحياة، ويفقد العقل البشري سمة الاسترخاء والحصول على حياة حرة كريمة يسودها التسامح والتبادل الحر للآراء السديدة، التي تنهض بالمجتمعات وتحررها من أغلال الإنقياد الأعمى. وهذا لن يكون إلا بعد أن يمتلك الإنسان عقلاً يجعله ينفتح على الآخر، وأن لا يشعر أنه نهاية الكون، وأنه المصداق الأوحد للفكر والثقافة والعلوم. وهكذا يصل بنا المؤلف إلى ورقة “المثقف جزء من حركة التاريخ”، ذلك المثقف المتحرك والمحرك لمسارات الفكر البشري لأنه العنصر الأكثر فاعليه في تغيير عجلة الحضارات عبر التاريخ..

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026