
بسام البديري
هل أنت الذي يفكر، أم أن هناك شيئًا آخر يفكر من خلالك؟ قد يبدو السؤال للوهلة الأولى شبيهًا بأسئلة الفلاسفة القديمة، تلك الأسئلة التي لا تترك للإنسان كرسيًا مريحًا يجلس عليه، بل تسحبه من يقينه وتضعه أمام مرآة لا ترحم. لكن السؤال اليوم أصبح أكثر إزعاجًا؛ لأننا نعيش في عصر تستطيع فيه الآلة أن تتعلم، وأن تتوقع، وأن تقترح، وأن تعرف عن الإنسان أحيانًا ما لا يعرفه الإنسان عن نفسه.
نحن نتحدث كثيرًا عن الذكاء الاصطناعي، عن الخوارزميات، عن الآلات التي تتعلم من البيانات، وننسى السؤال الأكثر خطورة:
ماذا لو كان العقل البشري نفسه يعمل وفق خوارزمية؟
ربما لم نكن أحرارًا كما اعتقدنا. ربما نحن فقط برامج طويلة ومعقدة، كتبتها العائلة في طفولتنا، ثم عدّلها المجتمع، وأدخلت السلطة بعض الأوامر إليها، وأضاف الخوف تعليماته السرية، وجاء الحب ليعبث ببعض الملفات، بينما تركت الهزائم في داخلنا أخطاءً برمجية لا نعرف كيف نحذفها.
نحن لا نولد ومعنا نسخة جاهزة من أنفسنا. نحن نتلقى أنفسنا بالتدريج. الطفل الذي يقال له منذ سنواته الأولى:
«كن مثل الآخرين»
يتعلم أن الاختلاف خطأ. والذي يُقال له:
«لا تسأل كثيرًا»
يتعلم أن السؤال خطر. والذي يكبر في بيئة تخاف من المختلف، قد يصبح في المستقبل عدوًا لكل اختلاف، حتى لو أقسم أنه إنسان حر. وهنا تبدأ الخوارزمية.
من كتب البرنامج الأول؟
كان جان جاك روسو يرى أن الإنسان يولد حرًا، لكن المجتمع يضع القيود حوله. أما سيغموند فرويد فقد ذهب أبعد من ذلك حين جعل جزءًا كبيرًا من السلوك الإنساني مرتبطًا بما هو خفي في النفس، بما لا نعرفه عن أنفسنا ونحن نتصرف. وبين الاثنين يقف سؤال مخيف:
إذا كانت رغباتنا، ومخاوفنا، وعاداتنا، وصورتنا عن أنفسنا قد تشكلت قبل أن نمتلك القدرة على اختيارها، فكم بقي من «أنا» داخل كلمة «أنا»؟ ربما حين تقول:
«أنا لا أحب هذا الشخص». فإنك لا تعرف هل أنت الذي لا تحبه، أم أن طفولتك هي التي لا تحبه. وحين تقول: «أنا أكره هذه الفكرة». قد يكون الكره قد زُرع فيك قبل أن تتعلم معنى الفكرة أصلًا. وحين تقول: «هذا هو الصواب». قد يكون المقصود الحقيقي:
«هذا ما تعودت أن أراه صوابًا». وهذه ليست لعبة لغوية. إنها واحدة من أكثر المشكلات قسوة في الوجود الإنساني. لأن الإنسان يستطيع أن يشك في العالم، لكنه نادرًا ما يشك في الطريقة التي يرى بها العالم.
كافكا… حين يصبح الإنسان ملفًا. في عالم المحاكمة لـفرانز كافكا، يستيقظ جوزيف ليجد نفسه متهمًا دون أن يعرف التهمة. إنها واحدة من أعظم صور العبث البيروقراطي، لكنها تصلح أيضًا لقراءة أخرى:
ماذا لو كان الإنسان يعيش حياته داخل نظام لا يعرف قواعده؟
منذ ولادته، يُمنح اسمًا، ولغة، ودينًا، وعائلة، وجنسية، وطبقة اجتماعية، ومفاهيم عن الشرف والعار والنجاح والفشل. ثم يكبر ويبدأ في الدفاع عن هذه الأشياء باعتبارها اختياراته الشخصية. لكن من اختارها له؟
كافكا لم يكن بحاجة إلى اختراع خوارزمية حاسوبية ليصف عالمًا مبرمجًا. كانت لديه المحاكم، والدوائر الحكومية، والممرات المغلقة، والأبواب التي لا يعرف أحد إلى أين تؤدي. وفي عالمنا المعاصر، أصبح الأمر أكثر نعومة. لم تعد الخوارزمية تحتاج إلى أن تأمرك. يكفي أن تقترح عليك. تقترح لك ماذا تشاهد؟
ماذا تقرأ؟
ماذا تشتري؟
من تحب؟
من تكره؟
وماذا ينبغي أن تعتقد؟
والأخطر أنها تفعل ذلك دون أن تشعر بأن أحدًا يجبرك.
رواية «1984» لم تعد بعيدة. حين كتب 1984، كان جورج أورويل يتخيل سلطة تستطيع مراقبة الإنسان وإعادة تشكيل الحقيقة. كان «الأخ الأكبر» رمزًا للعين التي لا تنام. لكن العالم الحديث قدم لنا نسخة أكثر تعقيدًا. اليوم قد تحمل العين داخل جيبك. وقد تكون أنت من يفتح لها الباب. تكتب عن نفسك، تصور نفسك، تحدد موقعك، تكشف ذوقك، وتخبر العالم بما تحب وما تكره، ثم تستغرب عندما تعرف المنصات ماذا تريد قبل أن تطلبه. وهنا المفارقة:
أصبح الإنسان يشارك في بناء السجن الذي يراقبه. ربما لم يعد القمع الحديث يحتاج إلى شرطي يقف خلفك. يكفي أن تتعلم مراقبة نفسك بنفسك. هل نحن نسخ من الآخرين؟
في الأخوة كارامازوف، وفي أعمال فيودور دوستويفسكي عمومًا، لا نجد الإنسان كائنًا بسيطًا يسير بخط مستقيم. نجد داخله محكمة. مجرمًا وقاضيًا. مؤمنًا وشاكًا. راغبًا في الخير وقادرًا على الشر. وهذا ربما هو الجزء الذي تعجز عنه الخوارزميات بسهولة:
التناقض.
الإنسان قد يعرف أن شيئًا ما خطأ، ثم يفعله. قد يحب شخصًا يعرف أنه يؤذيه. قد يرفض فكرة ويمارس مضمونها. قد يعلن الحرية ثم يخاف منها. وقد يكره القيود، لكنه يغضب عندما يرى شخصًا آخر يتحرر منها. لذلك ربما لا تكمن المشكلة في أن العقل البشري «مبرمج» فقط. المشكلة أن الإنسان يستطيع أن يصبح مبرمجًا ومبرمجًا لغيره في الوقت نفسه.
الأب يبرمج ابنه. المعلم يبرمج الطالب. المجتمع يبرمج أفراده. السلطة تبرمج المواطنين. الإعلام يبرمج الجمهور. ثم يأتي الإنسان، بعد كل ذلك، ويقول:
«هذه شخصيتي».
الكتاب… الفيروس الذي يفسد البرنامج. لكن هناك شيئًا واحدًا يستطيع أن يربك الخوارزمية: الكتاب. ليس كل كتاب.
فالكتب أيضًا تستطيع أن تكون سجونًا إذا قرأناها بلا تفكير. لكن الكتاب الحقيقي يشبه فيروسًا فكريًا جميلًا يدخل إلى النظام ولا يكتفي بإضافة معلومة، بل يغير طريقة تشغيل العقل نفسه.
حين قرأ العالم دون كيشوت، لم يحصل فقط على مغامرة فارس يحارب طواحين الهواء بل حصل على سؤال عن الفرق بين الواقع والوهم. وحين ظهرت الجريمة والعقاب، لم تعد الجريمة مجرد فعل، بل أصبحت سؤالًا عن الضمير والعقوبة والخلاص. وحين دخلنا عالم الغريب لـألبير كامو، وجدنا إنسانًا لا يتصرف وفق القواعد التي يريد المجتمع أن يفرضها عليه، فبدأ المجتمع بمحاكمته.
أما التحول، فقد أخذ الإنسان ووضعه فجأة في جسد حشرة، وكأنه يقول لنا: ماذا لو تغيرت صورتك الخارجية، وبقي العالم مصرًا على معاملتك وفق البرنامج القديم؟
الكتب العظيمة لا تمنحنا إجابات جاهزة. إنها تفسد الإجابات الجاهزة. وهذه جريمة فكرية جميلة. أخطر خوارزمية ليست في الهاتف. نحن نخاف من الخوارزميات الرقمية لأنها تعرف ما نبحث عنه. لكن الخوارزمية الأخطر تسكن داخلنا. إنها التي تقول:
«لا تفعل، ماذا سيقول الناس»؟
«لا تتحدث، قد تخسر عملك».
«لا تختلف، ستصبح وحيدًا».
«لا تحلم، هذا مستحيل».
«لا تكتب، فالكتابة قد تكون خطرة».
كم قرارًا في حياتنا اتخذناه لأننا أردناه فعلًا؟
وكم قرارًا اتخذناه لأننا خفنا من نظرة الآخرين؟
ربما لو حذفنا الخوف من بعض قراراتنا، لاكتشفنا أن نصف حياتنا لم يكن اختيارًا، بل استجابة تلقائية. وهنا تصبح الحرية أكثر تعقيدًا مما تبدو.
الحرية ليست أن تفعل ما تريد. فالسجين يستطيع أن يريد أشياء كثيرة. الحرية ربما تبدأ عندما تعرف: لماذا تريد ما تريد؟ نيتشه يدخل الغرفة. فريدريك نيتشه لم يكن مهتمًا كثيرًا بالإنسان الذي يطيع القطيع ثم يصف نفسه بالمستقل.
كان يريد إنسانًا يعيد خلق نفسه. وهذا تحديدًا ما تخشاه الخوارزمية البشرية. لأن الإنسان الذي يبدأ في سؤال نفسه: «لماذا أعتقد هذا»؟ أكثر خطورة من الإنسان الذي يملك ألف معلومة. والإنسان الذي يقول:
«ربما أكون مخطئًا». أخطر من الإنسان الذي يصرخ:
«أنا على حق». فالمعرفة قد تمنحك القوة. لكن الشك يمنحك باب الخروج. وماذا لو كانت الخوارزمية قابلة لإعادة البرمجة؟ ربما لا نستطيع أن نمحو طفولتنا. ولا نستطيع أن نعيد كتابة المجتمع. ولا نستطيع أن نختار الظروف التي ولدنا فيها.
لكن يمكننا أن نقرأ. أن نسأل. أن نختلف. أن نعيد النظر في أفكارنا. أن نكتشف أن بعض ما اعتقدناه «حقيقة» لم يكن أكثر من عادة جماعية. وهنا يصبح الأدب فعل مقاومة. ليس لأنه يحمل السلاح، بل لأنه يجعل الإنسان يرى نفسه من الخارج. والإنسان الذي يرى نفسه من الخارج قد يبدأ في اكتشاف السلاسل التي لم يكن يراها من الداخل.
الخوارزمية الأخيرة
ربما يأتي يوم تصبح فيه الآلات أكثر ذكاءً منا. وربما تصبح قادرة على كتابة الرواية، وتأليف الموسيقى، ورسم اللوحات، وتحليل السلوك البشري. لكن السؤال الحقيقي لن يكون:
«هل تستطيع الآلة أن تفكر»؟ بل:
«هل ما زال الإنسان يفكر»؟
قد نصنع آلات ذكية جدًا، ثم نعيش نحن بعقول جاهزة. قد نخترع الذكاء الاصطناعي، بينما نمارس الغباء الاجتماعي منذ قرون. قد نخاف من أن تستولي الآلة على عقولنا، بينما نحن نسلم عقولنا طواعية إلى القطيع. ولهذا فإن أخطر سؤال في المستقبل لن يكون عن الآلة. سيكون عن الإنسان. حين يجلس وحده، بعيدًا عن الهاتف، بعيدًا عن المجتمع، بعيدًا عن التصفيق، بعيدًا عن الخوف، بعيدًا عن كل الأصوات التي أخبرته من يكون… ثم يسأل نفسه:
هل هذه أفكاري فعلًا؟
إذا كانت الإجابة نعم، فربما يكون قد بدأ يفكر. أما إذا صمت طويلًا… فربما اكتشف أن هناك شخصًا آخر كان يعيش حياته نيابةً عنه. وربما كانت تلك هي الخوارزمية منذ البداية.


