• Home  
  • هل غيّرت مواقع التواصل صورة الكاتب؟
- رأي ومقالات

هل غيّرت مواقع التواصل صورة الكاتب؟

لمى النقاش كان الكاتب في المخيلة العامة شخصاً يقيم بعيداً عن الأضواء؛ ينحني فوق أوراقه، ويترك كتبه تتحدث عنه، لا يعرف القارئ الكثير عن يومه، ولا يرى مكتبه، ولا يسمع صوته إلا في لقاء عابر أو حوار صحفي متباعد، كانت بينه وبين جمهوره مسافة تصنعها الكتب ودور النشر والصحف، وربما تضيف إلى صورته شيئاً من […]

لمى النقاش

كان الكاتب في المخيلة العامة شخصاً يقيم بعيداً عن الأضواء؛ ينحني فوق أوراقه، ويترك كتبه تتحدث عنه، لا يعرف القارئ الكثير عن يومه، ولا يرى مكتبه، ولا يسمع صوته إلا في لقاء عابر أو حوار صحفي متباعد، كانت بينه وبين جمهوره مسافة تصنعها الكتب ودور النشر والصحف، وربما تضيف إلى صورته شيئاً من الغموض والهيبة.

أما اليوم فلم يعد مطلوباً من الكاتب أن يكتب فحسب، بل أن يصوّر ويعلّق وينشر ويتفاعل، وأن يفهم مواعيد الذروة والخوارزميات ولغة المقاطع القصيرة، عليه أن يقدّم نفسه باستمرار، ويختصر أفكاره في ثوانٍ، ويحوّل كتابه إلى صور واقتباسات ومقاطع قادرة على جذب عين تمرّ سريعاً بين مئات المنشورات.

فهل قرّبت مواقع التواصل الكاتب من قرّائه، أم نقلت قيمته من جودة ما يكتب إلى قدرته على الظهور؟

لا يمكن إنكار ما منحته هذه المنصات للكتّاب، لقد أسقطت كثيراً من الحواجز القديمة التي كانت تفصل الكاتب عن قارئه، وأتاحت لأصوات جديدة أن تصل من دون انتظار موافقة مؤسسة ثقافية أو ملحق أدبي، أصبح الكاتب قادراً على نشر نصه، واختبار صداه، وبناء جمهوره، والتواصل مع قرّاء ربما لم يكن ليصل إليهم عبر الطرق التقليدية، كما وجد بعض الكتّاب في الفضاء الرقمي فرصة للظهور بعد أن ظلّت أسماؤهم بعيدة عن دوائر الضوء والنشر.

ولعل أجمل ما صنعته هذه المنصات أنها منحت القارئ وجهاً وصوتاً، فلم يعد القارئ رقماً غامضاً في تقرير مبيعات، بل صار إنساناً يكتب رأيه، ويرسل انطباعه، ويلتقط صورة للكتاب، ويخبر الكاتب بأن عبارة ما لامست شيئاً خفياً في داخله، وهذه الصلة المباشرة قادرة على منح الكتابة دفئاً لم يكن متاحاً من قبل.

لكن هذا القرب لم يأتِ بلا ثمن، فالكاتب المعاصر لا يواجه قلق الصفحة البيضاء فقط، بل يواجه أيضاً قلق الغياب: ماذا يحدث إن لم أنشر اليوم؟ هل سينساني الجمهور؟ لماذا لم يحقق هذا المنشور تفاعلاً؟ كيف وصل ذلك الكاتب إلى آلاف القرّاء بينما بقي نصي بعيداً عن الأنظار؟

وهكذا يتسلل معيار جديد إلى التجربة الأدبية: الأرقام.

عدد المتابعين، والإعجابات، والمشاهدات، والمشاركات؛ أرقام تبدو دقيقة ومحايدة، لكنها لا تقيس بالضرورة قيمة النص، قد ينتشر اقتباس لأنه سهل وسريع ومباشر، بينما يمر نص أكثر عمقاً من دون أن يلتفت إليه كثيرون، لأنه يحتاج إلى قارئ يتوقف ويتأمل، وقد يبدو الكاتب الأكثر حضوراً أكثر أهمية، لا لأن تجربته الأدبية أنضج، بل لأنه يعرف كيف يخاطب المنصة بلغتها.

غير أن تحميل مواقع التواصل المسؤولية كاملة سيكون حكماً مريحاً أكثر مما هو دقيق، فالانتشار لا يعني السطحية دائماً، مثلما لا يعني ضعف الحضور أن صاحبه كاتب عميق، هناك كتّاب جمعوا بين جودة النص والقدرة على تقديمه، مثلما يوجد من يستخدم الغموض والعزلة ستاراً لنص لم يكتمل نضجه، المشكلة ليست في شهرة الكاتب أو ظهوره، وإنما في اللحظة التي يصبح فيها الظهور بديلاً عن الكتابة، ويُقاس النص بحجم جمهوره قبل أن يُقرأ.

لقد غيّرت المنصات كذلك طبيعة ما يُكتب، فالمحتوى السريع يفضّل العبارة القصيرة، والفكرة المباشرة، والجملة التي يمكن اقتطاعها ووضعها على صورة، أما الأدب فيحتاج غالباً إلى سياق وتراكم وصبر، العبارة الجميلة داخل الرواية ليست زينة مستقلة؛ إنها ابنة شخصيات وأحداث ومشاعر سبقتها، وعندما تُنتزع من مكانها قد تتحول إلى حكمة لامعة، لكنها تفقد جزءاً من روحها.

هذا لا يعني أن الاختصار عدو الأدب؛ فكثير من الشعر والنصوص العظيمة يقوم على التكثيف، لكن التكثيف يختلف عن التبسيط المخل، والعبارة التي تأتي نتيجة تأمل طويل ليست كالعبارة التي تُصنع لتكون قابلة للمشاركة، فالخطر يبدأ عندما يفكر الكاتب منذ اللحظة الأولى في قابلية الجملة للانتشار، بدل أن يسأل إن كانت صادقة وضرورية داخل النص.

وثمة عبء آخر لا يُلتفت إليه كثيراً: أن يصبح الكاتب مسؤولاً عن مهن عديدة في وقت واحد؛ يكتب عمله، ويراجعه، ويسوّقه، ويصمم إعلانه، ويصنع محتوى عنه، ثم يجيب عن التعليقات والرسائل، وقد يستهلك الحديث عن الكتاب وقتاً وطاقة كان يمكن أن يُنفقا في كتابة الكتاب نفسه، وهنا تنشأ مفارقة قاسية: لكي يظل الكاتب حاضراً في أذهان الناس قد يبتعد تدريجياً عن المساحة الهادئة التي يحتاج إليها كي يكتب.

ولأن الجمهور اعتاد أن يرى تفاصيل حياة المشاهير، صار بعض القرّاء ينتظرون من الكاتب أن يفتح أبواب حياته أيضاً، لم يعد السؤال عمّا كتب وحده، بل عمّا يرتدي، وأين يجلس، وماذا يقرأ، وكيف يبدأ صباحه، وقد تكون هذه التفاصيل جسوراً إنسانية جميلة، لكنها قد تتحول إلى ضغط يدفع الكاتب إلى صناعة شخصية رقمية تختلف عن شخصيته الحقيقية، عندها يصبح مطالباً بالمحافظة على صورته، وربما يخشى أن يكتب ما يناقض توقعات جمهوره.

ومع ذلك لا أظن أن الحل يكمن في الانسحاب من المنصات أو التعامل معها بتعالي، فالكاتب ابن زمنه، ومواقع التواصل جزء من هذا الزمن، كما كانت الصحافة والمجالس الثقافية ووسائل الإعلام جزءاً من أزمنة سابقة، الأجدى أن يعرف الكاتب حدود العلاقة: أن يستخدم المنصة كي يدل القارئ على النص، لا أن يسمح لها بأن تعيد تشكيل النص وفق مزاجها؛ وأن يتعامل مع التفاعل بوصفه مؤشراً على الوصول، لا حكماً نهائياً على القيمة.

كما تقع على القارئ مسؤولية ألّا يخلط بين الكاتب وصورته الرقمية، فالحضور الجذاب قد يقودنا إلى الكتاب، لكنه لا يغني عن قراءته، والاقتباس الذي يعجبنا لا يكفي للحكم على تجربة كاملة، كما أن قلة المتابعين لا تجعل صاحبها أقل أصالة تلقائياً، الأدب لا يُقاس بمن يمرّ أمامه، بل بما يتركه فيمن توقّف عنده.

لقد غيّرت مواقع التواصل صورة الكاتب بلا شك، أخرجته من عزلته، وقرّبته من جمهوره، ومنحته وسائل لم تكن متاحة من قبل، لكنها جعلته في المقابل يعيش تحت اختبار دائم للظهور والقبول، وبين الكاتب المنعزل الذي ينتظر أن يُكتشف، والكاتب الذي يستهلك نفسه كي يبقى مرئياً، توجد مساحة أكثر اتزاناً: أن يحضر من دون أن يتحول حضوره إلى غاية، وأن يسوّق كتابه من دون أن يسمح للتسويق بأن يكتب عنه.

فالكاتب لا يفقد قيمته حين يظهر، ولا يكتسبها لمجرد أن يختفي والعكس صحيح، قيمته الحقيقية تبدأ من النص؛ من قدرته على أن يقول شيئاً يستحق أن يبقى بعد أن ينتهي التفاعل، وتهدأ الخوارزميات، ويمرّ الجميع إلى المنشور التالي.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026