
أشواق البدري
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي نافذة نطل منها على العالم فقط، بل أصبحت جزءاً من العالم نفسه. اليوم كلمة واحدة ممكن تصل إلى آلاف الناس خلال دقائق وموقف بسيط ممكن يتحول إلى قضية عامة وصورة عابرة ممكن تصنع انطباعاً يبقى طويلاً في ذاكرة الأنسان. هنا تكمن قوة التواصل الاجتماعي وهنا أيضاً تبدأ مسؤوليته.
هذه المنصة أعطت للمجتمع مساحة واسعة، حتى يعبر عن رأيه ويطرح أفكاره ويتواصل مع الآخرين دون حواجز كثيرة، وأصبح بإمكان أي شخص أن يكون حاضراً في المشهد العام وأن يوصل صوته إلى أماكن ما كان يستطيع الوصول إليها في السابق.
ومن أجمل ما قدمته مواقع التواصل، أنها قربت الناس من بعضها، وفتحت أبواباً للتعاون، وساعدت في إيصال صوت المحتاج، وساهمت في دعم المبادرات الإنسانية والاجتماعية. الكثير من القضايا التي كانت تبقى بعيدة عن اهتمام المجتمع، أصبحت اليوم حاضرة أمام الجميع.
والمنظمات والمؤسسات المدنية وجدت في هذه المنصات وسيلة مهمة حتى تكون أقرب إلى الناس، وتعرض نشاطاتها وتستمع إلى احتياجات المجتمع، وتفتح أبواب التواصل مع مختلف الفئات.
لكن لكل قوة جانب آخر.
فكما تستطيع مواقع التواصل أن تنشر الحقيقة، فهي قادرة أيضاً على نشر الإشاعة، وكما تستطيع أن تجمع الناس على موقف إنساني، تستطيع أن تكون سبباً في خلق خلافات لا أساس لها. أصبحنا نعيش في زمن لا تنتظر فيه المعلومة حتى يتم التأكد منها. الخبر ينتشر أولاً ثم يبدأ الناس بالبحث عن الحقيقة. وقلة من الفئات الباحثة عن الحقيقة. وهذه واحدة من أخطر مشكلات العصر.
فليس كل ما نقرأه حقيقة، وليس كل ما يصلنا يستحق النشر، وليس كل ما نختلف معه يستحق الهجوم. هناك فرق كبير بين حرية التعبير وبين الإساءة، وهناك فرق بين النقد البناء وغير البناء، وبين التشهير. وهناك فرق بين نقل المعلومة وبين صناعة الشائعة.
المشكلة الأكبر أن بعض الناس نسوا أن خلف كل حساب إنساناً له مشاعر وسمعة وخصوصية وحياة قد تتأثر بكلمة كتبتها أصابعنا خلال ثوان. ولهذا فإن الوعي الرقمي أصبح ضرورة وليس ترفاً. نحتاج أن نتعلم كيف نستخدم مواقع التواصل دون أن نسمح لها بأن تستخدمنا. نستفيد منها في المعرفة والتوعية والعمل والمبادرات الإنسانية، ونترك مساحة للاختلاف المحترم والحوار الهادئ.
ولا نجعل عدد الإعجابات مقياساً لقيمة الإنسان، ولا عدد المتابعين دليلاً على صحة الفكرة. فليست كل الأشياء التي تحصل على انتشار تستحق الاحترام، وليست كل الأصوات العالية هي الأكثر صدقاً.
القيمة الحقيقية ليست في أن يصل صوتك إلى أكبر عدد من الناس فقط، وإنما في أن يكون لهذا الصوت معنى وأن يترك أثراً جيداً وصداً انساني.
التواصل الاجتماعي مرآة للمجتمع. كلما ارتفع وعينا ارتفع مستوى ما نقدمه فيه، وكلما أصبحت الكلمة أكثر مسؤولية، أصبح هذا الفضاء أكثر إنسانية.
وفي النهاية، نحن لا نملك السيطرة على كل ما ينشره الآخرون، لكننا نملك السيطرة على ما نكتبه نحن. ولهذا قبل أن نضغط زر النشر علينا أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا؛
هل ما أكتبه حقيقة؟
هل فيه فائدة؟
هل يحفظ كرامة الآخرين؟
وهل أرضى أن تعود هذه الكلمة إليّ يوماً ما؟
فالكلمة في مواقع التواصل قد تحتاج ثانية واحدة حتى تُكتب، لكنها أحياناً تحتاج سنوات حتى يُمحى أثرها. وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية. أن نكون مستخدمين للتواصل الاجتماعي لا أدوات بيد الفوضى، وأن نجعل حضورنا فيه إضافة للمجتمع لا عبئاً عليه.


