
زهراء مهند
ليست القراءةُ مجردَ هوايةٍ نملأُ بها الفراغ بل هي فعلُ انبعاثٍ يتجدد مع كل صفحة نطويها، وميلادٌ ثانٍ ينتشلُ الإنسان من عتمة الجهل وضيق البيئة ومحدوديتها إلى رحابة الفكر الإنساني وعمقه.
إن الرابط الحقيقي بين الإنسان والمعرفة لا يُقاس بالشهادات الأكاديمية ولا بالألقاب الرسمية؛ فالشهادة لا تصنعُ بمفردها حسّاً نقدياً ولا أفقاً متسعاً. لقد قدم لنا التاريخ شواهد حيّة على قممٍ صاغت وعيها بنفسها كالشاعر أحمد الصافي النجفي الذي اتخذ من الكتب مدرسة، والأديب عباس محمود العقاد الذي تجاوز حدود تعليمه النظامي بالاطلاع العصامي ليغدو قمةً من قمم الفكر العربي. هؤلاء لم تتشكل ثقافتهم في القاعات الدراسية، بل وُلدت من رحم الشغف والمطالعة المستمرة.
وقد جعل الإسلام من المعرفة والقلم أساساً لإنسانية الإنسان، حيث افتُتح الوحي الإلهي بأمرٍ صريحٍ يُعلي من شأن القراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].
وفي واقعنا المعاصر نرى جيلاً أخذته التكنولوجيا بعيداً عن عمق الورق وغرق في سيل “الترندات” العابرة والمحتويات السريعة التي تشتت الذهن وتسطّح الفكر. لقد استبدل الكثيرون بناء العقل بالركض خلف استهلاكٍ رقمي لا يورث سوى الهشاشة الثقافية، واغتراب الذائقة في عالمٍ يقدّم السرعة على الفكرة.
وهنا تتزاحم التساؤلات المقلقة: كيف يُمكن للإنسان أن يعايش الحياة حقيقةً بلا قراءة؟ كيف نبني وعي أمةٍ بعقولٍ تتغذى على مقاطع مرئية لا تتجاوز ثواني معدودة؟ وماذا سيتبقى من هويتنا وعمقنا إن تركنا الشاشات الذكية تبرمج أفكارنا؟ وهل يُعقل أن نورث الأجيال القادمة أحدث التقنيات ونعجز عن توريثهم شغف ارتياد المكتبات؟
إن رحلة العودة إلى الكتاب ليست تعجيزية ولا تتطلب تفرغاً تاماً فالسنوات تتكون من تفاصيل صغيرة وفي العام الواحد ثلاثمئة وخمسة وستون يوماً، لو قرأ المرءُ فيها ورقةً واحدةً كل يوم لخرج بكتابين في أضعف الإيمان ولو زاد خطوةً لشرع في ثلاثة، وصولاً إلى من يستثمرون أوقاتهم لينهوا عشرات الكتب سنوياً. المسألةُ تبدأُ بـ “خطوةٍ صغيرة تتكرر” لا بمعجزة.
والركيزة الأساسية لهذا التغيير تبدأُ من أصل كل وعي: العائلة. فالأبناء يُولدون على طَبْع آبائهم وأمهاتهم ويقتبسون منهم أسلوب الحياة دون أن يشعروا. لو اختارت الأم أن تخصّص في بيتها رفاً صغيراً تملؤه بالكتب بعنايةٍ وشغف، كما تختارُ وتعتني بمجموعة فناجين القهوة للضيوف، لنشأ في كل بيتٍ قارئ وقارئة. ولو خرج من كل منزلٍ فردٌ واعد يحمل شغف الكتاب، لأصبح نصف المجتمع أمّةً تقرأ! وكذلك الأب حين يمسك كتاباً أمامه أبناؤه، ينقل إليهم أثراً لا تمحوه السنون.
وحين تتعافر جهود البيت مع المؤسسة التعليمية والإعلام الحديث نصل إلى الحل الأذكى: دمج التكنولوجيا بالمعرفة بدلاً من معاداتها. استثمار المنصات الرقمية لصناعة “ترند ثقافي” جاذب وتشجيع الكتب الصوتية والإلكترونية كجسرٍ لطيفٍ يعيد الشباب إلى الأصالة الورقية والعمق الفكري.
إن القراءة اليوم ليست مجرد رفاهية بل هي ضرورة وجودية ومقاومة حقيقية لتسطيح العقول. هي الأداة التي تعيد للجيل قدرته على التفكير النقدي وتمنحه الأصالة في زمن التشابه وترتقي به فوق المألوف. وفي اليوم العالمي للقراءة
نتذكر أن الكتاب لم يكن يوماً ترفاً بل هو البداية الأولى لكل تغيير وارتقاء.


