• Home  
  • فُسحة من الحرية
- رأي ومقالات

فُسحة من الحرية

فرحه الدلفي بالأمس، وفي رحلةٍ مع صديقاتي إلى مزرعةٍ رائعةٍ تقع في ضواحي بغداد، حيث تتنفس الطبيعة بعمق وتتلألأ أشعة الشمس على مياه البرك والجداول، وقفزت أنظاري على مشهدٍ استثنائيٍّ جعلني أتأمّل في معنى الحياة والعمر والحرية. كان المنظر الأكثر جذباً هو مجموعةٌ من النساء، وخصوصاً الكبيرات في السن، منهنّ من تجاوزت الستين عاماً، ومنهنّ […]

فرحه الدلفي

بالأمس، وفي رحلةٍ مع صديقاتي إلى مزرعةٍ رائعةٍ تقع في ضواحي بغداد، حيث تتنفس الطبيعة بعمق وتتلألأ أشعة الشمس على مياه البرك والجداول، وقفزت أنظاري على مشهدٍ استثنائيٍّ جعلني أتأمّل في معنى الحياة والعمر والحرية. كان المنظر الأكثر جذباً هو مجموعةٌ من النساء، وخصوصاً الكبيرات في السن، منهنّ من تجاوزت الستين عاماً، ومنهنّ من تعاني من آلام المفاصل وصعوبة المشي، لكن ما أدهشني حقاً هو أنهنّ قمنَ بفعالياتٍ ونشاطاتٍ لا تتناسب مع أعمارهنّ، وكأنّ الزمن توقّف عن الجريان في داخل أنفسهنّ.

رأيتهنّ في المسبح يرتدين ملابس زاهية الألوان، مكشوفة بعض الشيء، بأزياءٍ مختلفةٍ وجميلة، يمارسن رياضة السباحة بحماسةٍ ومرحٍ، وهنّ يحرّصن على تصفيف ما تبقّى من شعرهنّ الأبيض الذي فقد رونقه وحيويته مع تقدّم العمر، ربما بسبب كثرة ارتداء الحجاب الذي يخنق جمال الشعر ويمنعه من التنفّس تحت أشعة الشمس. وقد بدت عليهنّ ملامح السعادة والانعتاق، وكأنّ هذه الفسحة الصغيرة من الحرية تعيد لهنّ جزءاً من شبابهنّ الضائع. رأيتهنّ يقفزن في الماء كأنهنّ فراشاتٌ ملوّنةٌ جميلةٌ، رغم تجاعيد الوجوه ووهن العظام، لكنّ الروح كانت ترفرف فوق الأجساد المتعبة.

ومن بينهنّ، كانت هناك امرأةٌ جلسَت على الأرجوحة الخشبية تلتقط بعض الصور، وهي ترتدي فستانها الزهري المكشوف بعض الشيء، وشعرها الأبيض ينساب مع اتجاه الرياح كالحرير الفضيّ، تضحك بصوتٍ عالٍ كأنّه موسيقى الحياة ذاتها، وتدبّ في أوصالها روح الطفولة المفرطة، وحركات البنات في أول الصبا، حيث ولّى ذلك الوجع، واختفى ألم المفاصل، وغادرت سنوات العمر معتذرةً لتلك الطفلة التي أُحييت في داخلها لبرهةٍ من الزمن. كانت لحظةً ساحرةً، نسينا فيها تاريخ ميلادنا، وتلك الخطوط الصغيرة التي لا تمثل عمرنا الحقيقي ولا تقيّم أرواحنا المشتاقة إلى الحرية.

في تلك البرهة، نسينا من كنّا قبل ساعات، وتنحّت عنّا هويّاتنا الضيقة، ومذاهبنا المتصلّبة، وانتماءاتنا التي كثيراً ما تفرّقنا، وحدودنا الجغرافية التي تحصُرنا، بل كنا فقط منغمسين في هنا والآن، نعيش اللحظة بكلّ تفاصيلها الصغيرة، وكأنّ الزمن قد توقّف ليُهدينا هذه المساحة المباركة من الصفاء. شعرت أن تلك النساء يسرن درباً مختلفاً، درباً يتجاوز الجسد الفاني إلى جوهر الروح الخالدة، حيث العمر مجرد رقم، والشيب تاجٌ من نور، والسباحة في الماء تعني الغوص في أعماق الذات، والتأرجح على الأرجوحة يعني التماهي مع نسيم الحياة العذب.

لقد كنّ يقدّمن درساً بليغاً في فنّ العيش، وكيف يمكن للإنسان أن يخلع عنه أثقال السنين وهمومها، وأن يحتضن فرحته الطفولية مهما تكدّس العمر على كتفيه. كنت أراقب ملامحهن وهي تشعّ بالبهجة، وعيونهنّ تبرق كنجومٍ في ليلة صيفية، وأصوات ضحكاتهنّ تملأ الفضاء وتنساب بين الأشجار كأغنيةٍ جميلة. لم تكن مجرد سباحة أو التقاط صور، بل كانت احتفالاً بالوجود، ورفضاً لسطوة الزمن، وإعلاناً بأنّ الحرية تبدأ من الداخل، وأنّ السعادة قرارٌ يتّخذه المرء مهما كانت ظروفه.

وفي نهاية ذلك اليوم، بينما تغرب الشمس وتكسو السماء بألوانها البرتقالية والوردية، جلستُ مع صديقاتي نتأمّل ما رأيناه، وأدركتُ أنّ هؤلاء النسوة قد منحنني هديّة ثمينة: أن الحياة ليست في طول السنين، بل في عمق اللحظات التي نعيشها بوعيٍ وحضور، وأنّ روح الشباب لا تموت أبداً، بل تنتظر فقط فسحةً من الحرية لتطلّ برأسها من جديد. كانت تلك الرحلة إلى المزرعة ليست مجرد نزهة، بل مرآةً عكست لي جمال الروح الإنسانية التي تتحدّى كلّ القيود، وتسبح فوق الألم والتعب، وتغني للحياة بأجمل الألحان. رحتُ أتمنى لو أن لكلّ إنسانٍ تلك الفسحة التي يكتشف فيها طفله الداخلي، ويطلق العنان لأحلامه المؤجلة، ويرقص على إيقاع القلب لا على إيقاع السنوات.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026