
ابراهيم يوسف
يمر العراق بمنعطف خطير ربما يكون الأخطر منذ سقوط النظام عام 2003، مع اقتراب الموعد النهائي الذي حددته الحكومة في 30 سبتمبر/أيلول 2026 لحصر السلاح بيد الدولة. فبين حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي التي تؤكد عزمها على فرض هيبة الدولة، وفصائل مسلحة ترفض التخلي عن سلاحها وتشترط انسحاب القوات الأمريكية، يلوح في الأفق شبح حرب أهلية جديدة تهدد وحدة البلاد واستقراره. فكيف يقرأ المشهد العراقي اليوم…؟ وما السيناريوهات المطروحة؟
أولاً: جذور الأزمة.. دولة منقوصة السيادة.
تعود جذور الأزمة إلى أكثر من عقدين من تراكمات سياسية وأمنية، تمثلت في نشوء فصائل مسلحة خارج إطار الدولة، بعضها يندرج رسمياً ضمن “الحشد الشعبي” لكنه يظل عمليا خاضعاً لأجندات خارجية. وقد حدد ائتلاف إدارة الدولة – الذي يضم القوى الشيعية والسنية والكردية – مهلة 30 سبتمبر موعداً نهائيا لتسليم الأسلحة، مؤكداً أن أي نشاط مسلح بعد هذا التاريخ سيعامل وفق قانون مكافحة الإرهاب.
لكن الفصائل الرافضة – وفي مقدمتها “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء” و”كتائب سيد الشهداء” – ترفض تسليم ما تصفه بـ”سلاح المقاومة”، وتشترط لذلك الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق، وإنهاء ما تصفه بالهيمنة الأمريكية على القرار العراقي.
ثانياً: المواجهة تتصاعد.. بين الاعتقالات والتهديدات
شهدت الأسابيع الأخيرة تصعيدا لافتاً، تمثل في اعتقال قوات مكافحة الإرهاب للقيادي البارز في حركة النجباء عباس اليعقوبي، وهو ضابط استخبارات في هيئة الحشد، بتهم تتعلق بهجمات بطائرات مسيرة. ورغم الإفراج عنه لاحقاً، فإن الحادثة كشفت هشاشة الوضع، إذ كادت أن تؤدي إلى “إحراق بغداد” على حد تعبير بعض التهديدات.
وفي موازاة ذلك، كثفت الحكومة استعداداتها الأمنية، رفعت الجاهزية، وألغيت إجازات عدد من القادة والآمرين، فيما تحدثت مصادر عن خطة لنشر الجيش العراقي وقوات مكافحة الإرهاب حول مراكز عمليات الميليشيات لتقييد حركتها بعد 30 سبتمبر.
ثالثاً: الإنذار الأشد خطورة.. شبح الحرب الأهلية
مع اقتراب المهلة، تكاثرت التحذيرات من انزلاق العراق إلى حرب أهلية. فالمتحدث باسم ائتلاف النصر، عقيل الرديني، حذر من أنه “في حال حلول موعد 30 أيلول دون استجابة الفصائل لمبادرة نزع السلاح، فإن البلاد قد تواجه سيناريو المواجهة المباشرة بين الحكومة وتلك الجماعات، مما يهدد بجر العراق إلى حرب أهلية وأزمة وطنية مجهولة النتائج”.
وحذر مسؤول سابق في البنتاغون، ديفيد ديس روتشز، من أن رفض الفصائل تسليم سلاحها قد يدفع البلاد نحو حرب أهلية، معتبراً أن السيناريوهات المحتملة تنحصر بين استمرار “الدولة المجزأة” أو الدخول في مواجهة قد تصل إلى الحرب الأهلية، بل إن محللين يرون أن “نزع السلاح الكامل للفصائل المتشددة يتطلب أمرين غير متوفرين حالياً:
الأول أن تقرر إيران أن هذه الفصائل لم تعد تستحق الحماية، وأن يوافق العراق على ذلك، وهو غير مرجح، والثاني قد يكون كارثياً، مما يخاطر بالضبط بسيناريو الحرب الأهلية”.
رابعاً: انقسام داخل الإطار التنسيقي.. ولجوء إلى الوسطاء
عكس المشهد السياسي انقساماً داخل “الإطار التنسيقي” الشيعي نفسه؛ فبينما يدعم جناح خطوات رئيس الوزراء لفرض هيبة الدولة، يبدي جناح آخر مخاوف جدية من اندلاع صدامات مسلحة. وقد كشفت مصادر عن تحركات فردية يقودها قادة في الإطار لإقناع الفصائل بوضع سلاحها تحت سلطة الدولة.
ويبرز الأمين العام لمنظمة بدر، هادي العامري، كأكثر الشخصيات قبولاً لدى الفصائل، حيث يُنظر إليه كوسيط وحيد قادر على إقناعها. لكن تصريحاته المنسوبة – بأنه سيكون “أول بندقية بوجه من يقترب من سلاح المقاومة” – تثير علامات استفهام حول مدى قدرته على لعب دور محايد.
خامساً: الصراع الإقليمي يلقي بظلاله
لا يمكن قراءة المشهد العراقي بمعزل عن الصراع المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران. ففي العاشر من أغسطس، زار قائد فيلق القدس الإيراني، إسماعيل قاآني، بغداد دون إعلان مسبق، وحثّ الفصائل – بحسب مصادر – على الاحتفاظ بسلاحها وعدم تسليمه للحكومة.
وفي المقابل، تمارس واشنطن ضغوطاً هائلة على حكومة الزيدي لتنفيذ نزع السلاح، كما أن انسحاب القوات الأمريكية من قواعدها في العراق مقرر أيضاً في 30 سبتمبر، ما يخلق تقاطعاً زمنياً مثيراً للقلق. ويضاف إلى ذلك الأزمة الاقتصادية الخانقة الناتجة عن تراجع عائدات النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز، مما أفقد الدولة قدرا كبيرا من أوراق الضغط.
العراق بين مطرقة الدولة وسندان الفصائل
يقف العراق اليوم على مفترق طرق مصيري. فالحكومة، بدعم من ائتلاف إدارة الدولة، ماضية في مشروع حصر السلاح، لكن الفصائل الرافضة تمتلك ترسانة عسكرية كبيرة ونفوذاً سياسياً واجتماعياً عميقاً، إضافة إلى دعم إيراني واضح.
الخيارات المطروحة كلها مؤلمة
إما مواجهة عسكرية قد تتحول إلى حرب أهلية، وإما تسوية تعيد إنتاج الوضع القائم وتبقي سيادة العراق “مجزأة”. في كل الأحوال، يبقى الرهان الأكبر على الحكمة السياسية لقادة الإطار التنسيقي، وعلى دور المرجعية الدينية في النجف التي سبق أن أكدت ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، لكن دون أن تصدر فتوى حاسمة حتى الآن.
العراقيون، الذين ذاقوا ويلات الحروب الأهلية السابقة، يترقبون بخوف ما ستؤول إليه الأيام القليلة المقبلة، آملين ألا تكون مهلة 30 سبتمبر بوابةً إلى جهنم جديدة.


