• Home  
  • ابتعاد الجيل الجديد عن القراءة: الأسباب والآثار والحلول
- امرأة ومجتمع

ابتعاد الجيل الجديد عن القراءة: الأسباب والآثار والحلول

شهلاء العزاوي كانت القراءة لعقود طويلة بوابة الإنسان إلى العالم. بها تتسع المدارك، وتتشكل القيم، وينمو الخيال. لكننا اليوم نشهد تحولاً لافتاً: جيل كامل نشأ على الشاشات أكثر مما نشأ على الكتب. فتراجعت أرقام القراءة، وتبدلت العادات، وأصبح السؤال مطروحاً بحدة: لماذا ابتعد الجيل الجديد عن القراءة؟ الابتعاد لا يعني بالضرورة انعدام الرغبة في المعرفة، […]

شهلاء العزاوي

كانت القراءة لعقود طويلة بوابة الإنسان إلى العالم. بها تتسع المدارك، وتتشكل القيم، وينمو الخيال. لكننا اليوم نشهد تحولاً لافتاً: جيل كامل نشأ على الشاشات أكثر مما نشأ على الكتب. فتراجعت أرقام القراءة، وتبدلت العادات، وأصبح السؤال مطروحاً بحدة: لماذا ابتعد الجيل الجديد عن القراءة؟

الابتعاد لا يعني بالضرورة انعدام الرغبة في المعرفة، بل يعني تغير أدوات الوصول إليها، وتغير شكل “التركيز” نفسه.

من أسباب الابتعاد

1. هيمنة ثقافة “السرعة” و”اللقطة”

نشأ الجيل الجديد في بيئة رقمية تقوم على المكافأة الفورية. تيك توك، ريلز، ستوري. معلومة في 15 ثانية. أما الكتاب فيطلب الغوص والصبر وبناء المعنى عبر مئات الصفحات. فأصبح الدماغ يربط “المتعة” بالسرعة، ويرى القراءة الطويلة عبئاً.

2. ارتباط القراءة بالإلزام الأكاديمي

تحول الكتاب في المدرسة والجامعة إلى أداة للامتحان والتلخيص والدرجات. فغاب الجانب الوجداني والترفيهي. قليل من الطلبة من عرف الكتاب كصديق يهرب إليه، لا كواجب يهرب منه. وعندما سقط الإلزام، سقطت القراءة معه.

3. غياب القدوة داخل الأسرة

الطفل لا يتعلم القراءة بالأمر، بل بالتقليد. عندما كان الأب والأم يقرؤون في المساء، كان الكتاب جزءاً من أثاث البيت. اليوم استبدلت رفوف الكتب بشاشات التلفاز والهواتف. فلم يعد الطفل يرى “الكتاب” كسلوك طبيعي في البيت.

4. وفرة البدائل وسهولة الوصول

قبل عقدين كانت البدائل محدودة: تلفاز، إذاعة، كتاب. اليوم البدائل لا نهائية: بودكاست، يوتيوب، ألعاب، مسلسلات، ملخصات مرئية. لماذا أقرأ سيرة ذاتية من 300 صفحة، ويمكنني أن أشاهد ملخصها في 10 دقائق؟ العقل الاقتصادي يختار الأقل جهداً والأكثر متعة فورية.

5. التكلفة المادية وتحديات الوصول

الكتاب الورقي الجيد سعره مرتفع نسبياً، والكتاب الإلكتروني يحتاج جهازاً وبيئة هادئة. في المقابل، المحتوى الرقمي مجاني وسهل. فانتصر اقتصاد “المجاني السريع” على اقتصاد “المدفوع العميق”.

من آثار هذا الابتعاد

1.  ضعف التركيز العميق: أصبح من الصعب إكمال نص طويل أو حجة مترابطة. يظهر ذلك في تراجع مهارات الكتابة والتحليل.

2.  سطحية المعرفة: المعلومات متوفرة لكنها مجزأة. نعرف “عناوين” دون جذور. وهذا يضعف التفكير النقدي.

3.  تراجع الخيال والتعاطف: القراءة تجبرنا على تخيل الشخصيات وبناء العالم في أذهاننا. الفيديو يقدم كل شيء جاهزاً، فيضمُر جانب التخيل.

4.  هشاشة الهوية الثقافية: حين لا نقرأ أدبنا وتاريخنا وفكرنا، نصبح أكثر عرضة لتبني أنماط جاهزة ومستوردة.

وهنا تكمن الكارثة هل ترك الجيل القراءة فعلاً؟

الصورة ليست قاتمة بالكامل. الجيل لم يترك القراءة، بل أعاد تعريفها:

– ازدهار منصات الروايات الرقمية مثل واتباد. ملايين الشباب يقرؤون روايات طويلة على الهاتف، فصلاً فصلاً.

– الكتب الصوتية سجلت نمواً عالمياً تجاوز 25% سنوياً. الجيل “يسمع” الكتب أثناء القيادة والرياضة.

– كتب التنمية والعلاقات والخيال التي تكتب بلغة بسيطة وقريبة تحقق مبيعات عالية عند تسويقها عبر المؤثرين.

إذن المشكلة ليست في المحتوى، بل في “الشكل” و”قناة التوصيل”.

الحلول بسيطة جداً هي كيف نستطيع إعادة بناء جسر هذا الجيل والكتاب

1.  تقصير المسافة: تشجيع الكتب ذات الفصول القصيرة واللغة المباشرة. البدء بكتب 120-180 صفحة قبل الكتب الكلاسيكية الثقيلة.

2.  الربط بالترند: تحويل الروايات والكتب إلى محتوى مرئي، بودكاست، وتحديات قراءة على تيك توك وانستغرام. ما ينتشر رقمياً يعود ورقياً.

3.  بناء مجتمعات قراءة: أندية كتاب جامعية ومدرسية، تحديات “10 صفحات يومياً”، ترشيحات الأصدقاء أقوى من إعلانات الناشرين.

4.  الاعتراف بالأشكال الجديدة: الكتاب الصوتي كتاب. المقال المطول كتاب. الملخص الجيد مدخل للكتاب. لا نحصر القراءة بالورق فقط.

5.  دور الأسرة والمدرسة: تخصيص 20 دقيقة “وقت قراءة عائلي” بلا هواتف. مكتبات مدرسية جاذبة، ومعارض كتب بأسعار مدعومة.

إن ابتعاد الجيل الجديد عن القراءة ليس أزمة أخلاق بقدر ما هو أزمة “تكيف”. العالم تغير، وأدوات المعرفة تغيرت، والكتاب مطالب بأن يلحق بالإنسان لا أن ينتظر الإنسان عنده.

الجيل الجديد لا يكره المعرفة. هو فقط يبحث عنها باللغة التي يفهمها، وفي المكان الذي يوجد فيه: على هاتفه، وفي وقته القصير، وبأسلوب يحترم سرعته.

والمهمة اليوم ليست أن نعيده إلى المكتبة بالقوة، بل أن نأخذ المكتبة إليه.

لأن سطراً واحداً مقروءاً اليوم، قد يصبح فصلاً كاملاً غداً.

تشير التقارير والإحصائيات الحديثة إلى حجم الفجوة:

1.  معدل القراءة في العالم العربي: وفق تقرير التنمية الثقافية لمؤسسة الفكر العربي، يبلغ متوسط ما يقرأه الفرد العربي سنوياً أقل من كتاب واحد، بينما يبلغ المتوسط العالمي نحو 11 كتاباً. وفي بعض الدول الغربية يتجاوز 35 كتاباً في السنة.

2.  زمن القراءة اليومي: أظهرت دراسات لمراكز الإحصاء أن الشاب العربي يقضي في المتوسط أقل من 6 دقائق يومياً في القراءة الحرة، مقابل أكثر من 4 ساعات يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي والفيديوهات القصيرة.

3.  سوق النشر: انخفضت مبيعات الكتب الورقية الموجهة للفئة العمرية 15-25 سنة بنسبة ملحوظة خلال العشر سنوات الأخيرة، في المقابل ارتفعت مبيعات الكتب الصوتية والمنصات الرقمية بنسبة 28% عالمياً بين 2020 و2024، ما يدل أن الجيل لم يترك المحتوى بل غيّر الوسيط.

4.  التركيز: دراسة من جامعة ستانفورد عام 2023 بينت أن متوسط مدة انتباه المراهق للنص المكتوب تراجع إلى 8 ثوانٍ، وهي أقل من مدة انتباه السمكة الذهبية، بسبب التعرض المستمر للمحتوى السريع

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026