
صبحي البدري – رئيس التحرير
يقف العراق اليوم على مفترق طرق تاريخي، تحاصره من كل جانب أزمات متشابكة تختبر قدرة الدولة على الصمود، وتضع رئيس الوزراء أمام معادلة سياسية وأمنية هي الأعقد منذ سنوات. فبين استمرار حملة “صولة الفجر” لمكافحة الفساد بوتيرة أبطأ، واحتدام الشد والجذب مع الفصائل المسلحة، والضغوط الأميركية-الإيرانية المتقاطعة، وتسارع وتيرة الانسحاب الأميركي مع نهاية أيلول، وتداعيات اندماج قوات قسد في الجيش السوري على المعادلة الحدودية، يجد الزيدي نفسه أمام اختبار سيحدد مصير العراق لعقد قادم.
التحدي الأول يتمثل في ملف الفصائل المسلحة وسلاحها الخارج عن سيطرة الدولة. فالزيدي يخوض معركة صامتة لفرض هيبة الدولة، لكنه يصطدم بمنظومة نفوذ متجذرة تستند إلى تحالفات إقليمية تجعل من الصعب تجريدها من سلاحها دون دفع أثمان سياسية وأمنية باهظة. التحدي الثاني هو الضغوط الأميركية-الإيرانية المتقاطعة، حيث يجد العراق نفسه ميداناً لتصفية الحسابات بين قوتين إقليميتين عظميين، وكل منهما تسعى لجرّ بغداد إلى محورها. التحدي الثالث هو انسحاب التحالف الدولي، الذي يفتح باب الفراغ الأمني المحتمل، خاصة في ظل استمرار نشاط خلايا داعش في المناطق النائية. وأخيراً، فإن اندماج قسد في الجيش السوري يعيد رسم خريطة الأمن على الحدود الغربية، ويطرح تساؤلات عن مستقبل التعاون الأمني في المثلث الحدودي العراقي-السوري-التركي.
المخرج يبدأ من تغليب مصلحة العراق العليا على أي مصلحة أخرى، وهذه ليست شعاراً بل استراتيجية عمل. عملياً، هذا يعني:
1. احتكار السلاح بذكاء مرحلي: لا يمكن للزيدي أن يصطدم بكل الفصائل دفعة واحدة، لكنه يستطيع أن يبني تدريجياً تحالفاً وطنياً عابراً للطوائف يضم قوى سياسية ودينية واجتماعية ترفض السلاح غير الشرعي. المعركة ضد الفصائل لا تُكسب عسكرياً فحسب، بل سياسياً وشعبياً أولاً.
2. تحويل الانسحاب الأميركي إلى فرصة: بدلاً من التعامل مع الانسحاب كمصدر قلق، يمكن للزيدي أن يقدمه كمكسب سيادي، ويستثمره في تعزيز العلاقات الأمنية الثنائية مع واشنطن ودول الناتو بعيداً عن صيغة التحالف، مع بناء قدرات الجيش العراقي في قطاعات الدفاع الجوي والاستخبارات، لضمان عدم ترك فراغ يستغله الإرهاب أو القوى الإقليمية.
3. تنويع الشراكات الاقتصادية: الأزمة الاقتصادية الناتجة عن توقف الصادرات النفطية عبر هرمز تفرض على العراق تنويع منافذ التصدير والشركاء التجاريين. مشاريع الأنابيب البديلة عبر الأردن والسعودية وتركيا ليست رفاهية، بل ضرورة استراتيجية تحمي العراق من الابتزاز الإقليمي.
4. التنسيق الأمني مع دمشق الجديدة: اندماج قسد في الجيش السوري يعيد ترتيب أوراق الحدود. على بغداد أن تفتح قنوات تنسيق مباشرة مع دمشق لضبط الحدود المشتركة، وترتيب ملف مخيم الهول والمسلحين العراقيين المحتجزين، بما يمنع تحول هذه الملفات إلى أدوات ضغط إقليمية.
الزيدي يمتلك فرصة نادرة لإعادة تعريف موقع العراق الإقليمي، شريطة أن يتحرك ببراغماتية هادئة، بعيداً عن خطاب التحدي والاستفزاز. فبناء الدولة القوية لا يمر عبر المواجهة المفتوحة مع كل الأطراف، بل عبر إدارة التوازنات بذكاء، وتقديم المصالح الوطنية كمظلة تجمع الجميع، وتجعل من أي محاولة لجر العراق إلى المحاور الإقليمية خياراً خاسراً لأصحابه قبل أن يكون خاسراً للعراقيين.


