في خطوة وصفها مراقبون بأنها نقطة تحول جوهرية في المشهد السوري المعقد، أعلن الجنرال مظلوم عبدي، القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، قبل أيام عن حل هذه القوات وانضمام مقاتليها إلى وزارة الدفاع السورية، مع توليه شخصياً منصب مستشار في رئاسة الجمهورية. هذا القرار الذي بدا للوهلة الأولى شأناً سورياً داخلياً، يحمل في طياته أبعاداً إقليمية عميقة، ويطرح تساؤلات مصيرية حول مستقبل التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة، وبشكل خاص على الجارة الشرقية لسوريا، العراق. ففي الوقت الذي سارعت فيه عواصم إقليمية ودولية إلى الترحيب بالخطوة، بقي الموقف العراقي الرسمي غائباً عن المشهد، في صمت يثير تساؤلات حول طبيعة الحسابات العراقية تجاه هذا التحول الاستراتيجي.
أولاً: تفكيك الحدث وأبعاده المحلية
لم يكن قرار حل قسد مفاجئاً كلياً للمتابعين عن كثب. فمنذ سقوط النظام السابق، بدأت مفاوضات شاقة بين الإدارة الذاتية الكردية ودمشق، بوساطة أميركية معلنة وضغوط تركية مستمرة. إن دمج قسد في الجيش السوري، الذي كان يُنظر إليه سابقاً كخط أحمر بالنسبة للأكراد، يمثل تحولاً في الاستراتيجية الكردية من البحث عن كيان مستقل أو اتحادي، إلى القبول بمبدأ الدولة المركزية مع الاحتفاظ ببعض المكاسب السياسية والإدارية.
تعيين مظلوم عبدي مستشاراً في رئاسة الجمهورية يحمل دلالة رمزية كبيرة؛ فهو اعتراف رسمي بدوره ونفوذه، وتحويله من قائد عسكري لقوة شبه مستقلة إلى شخصية سياسية داخل هيكل الدولة. هذه الخطوة تعيد تموضع الكرد السوريين من موقع “حملة السلاح” إلى موقع “مشاركين في الدولة”، كما أشار الشارع الكردي بارتياح عام.
ولكن من زاوية التحليل السياسي، فإن هذا القرار لم ينضج بمعزل عن سياقات إقليمية ضاغطة: التهديد التركي المستمر باجتياح شمال سوريا، والإدارة الأميركية الجديدة التي أظهرت رغبة أقل في التورط العسكري المباشر، ورغبة دمشق في تثبيت سيطرتها على كامل التراب السوري. إنها لحظة تقاطع مصالح دفعت الجميع إلى طاولة تفاهم مؤقت قد يكون هشاً.
العراق بين مطرقة المخاوف وسندان المصالح
صمت بغداد الرسمي حيال هذا التطور ليس بريئاً، بل يعكس عمق الحيرة الاستراتيجية العراقية. فالقرار يحمل في جوانبه تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على العراق، يمكن تفكيكها كما يلي:
1. المعادلة الأمنية على الحدود الغربية:
تتقاسم العراق وسوريا حدوداً طويلة تبلغ نحو 600 كيلومتر، كان القسم الأكبر منها تحت سيطرة قسد فعلياً قبل قرار الحل. خلال سنوات الحرب على داعش، شكلت قسد حاجزاً أمنياً مهماً للعراق من جهة الغرب، حيث منعت تمدد التنظيم وسيطرت على المعابر الحدودية غير الشرعية. بعد الحل، تنتقل مسؤولية تأمين هذه الحدود إلى وزارة الدفاع السورية، وهي مؤسسة لا تزال في طور إعادة البناء، وتعاني من نقص حاد في العتاد والتدريب. هذا الفراغ الأمني المحتمل يثير قلق بغداد من عودة نشاط خلايا داعش في المناطق الصحراوية الواصلة بين البلدين، خاصة أن التنظيم لا يزال يحتفظ بقدرة على شن هجمات مباغتة في المثلث الحدودي العراقي-السوري-الأردني.
2. ملف مخيم الهول وقضايا النازحين:
من أخطر الملفات العالقة على الحدود العراقية السورية، مخيم الهول الذي يضم آلاف العائلات المرتبطة بعناصر داعش، بينهم عراقيون كثيرون. كان إدارة المخيم تتم تحت إشراف قوات قسد بدعم من التحالف الدولي. انتقال المسؤولية الأمنية إلى الجيش السوري الحكومي يطرح تساؤلات حول مستقبل المخيم، ومصير المعتقلين العراقيين هناك. بغداد كانت تتفاوض مع قسد بشأن إعادة مواطنيها تدريجياً، لكنها الآن قد تجد نفسها مضطرة للتفاوض مع دمشق مباشرة، وهو مسار أكثر تعقيداً سياسياً، خاصة مع وجود توترات تاريخية بين البلدين.
3. التوازنات مع تركيا وإيران:
الموقف التركي المرحب بحل قسد يعكس ارتياح أنقرة من تقويض الكيان العسكري الكردي القريب من حدودها. وهذا يعني أن الدور التركي في الملف السوري سيتعزز، وهو ما قد يزعج بغداد التي تخشى من توسع النفوذ التركي العسكري قرب حدودها. في المقابل، تدرك إيران أن حل قسد وتقوية الجيش السوري المركزي يصب في مصلحة محورها، لكنها في الوقت نفسه حذرة من أي ترتيبات أمنية قد تسمح بوجود أميركي دائم في شرق سوريا. العراق يقف في منطقة الالتباس هذه، محاولاً تجنب الإضرار بعلاقاته مع أنقرة وطهران في آن.
4. الكرد العراقيون ورسائل مبطنة:
قرار دمج قسد في الجيش السوري قد يُستخدم كورقة ضغط إقليمية على بغداد. فهناك من يرى أن النموذج السوري قد يشكل سابقة إيجابية للكرد العراقيين، خاصة في ما يتعلق بمستقبل البيشمركة وعلاقتها بالجيش العراقي. القوى الشيعية العراقية قد تقرأ القرار بتوجس، خشية أن يتحول إلى نموذج يطالب به الكرد العراقيون في مفاوضاتهم مع الحكومة المركزية حول مشروعية قوات البيشمركة وإعادة انتشارها في المناطق المتنازع عليها. في المقابل، قد يستفيد الساسة الكرد في أربيل من التجربة السورية للضغط من أجل انتزاع مزيد من الامتيازات، مستندين إلى حجة أن الكرد السوريين حصلوا على اعتراف سياسي أكبر داخل الدولة.
5. ملف الميليشيات والفصائل المسلحة:
لا يمكن استبعاد أن بعض الفصائل المسلحة العراقية الموالية لإيران تنظر إلى قرار حل قسد بعين الريبة، إذ أن وجود قوات كردية شبه مستقلة على الحدود كان يشكل ورقة إقليمية في مواجهة النفوذ الأميركي. وبعد الحل، قد تشعر هذه الفصائل بأن توازنات القوى في المنطقة تميل لصالح دمشق وحلفائها، مما قد يدفعها إلى إعادة تموضعها على الحدود السورية، أو زيادة عملياتها ضد أي وجود أميركي مستقبلي في المنطقة.
السيناريوهات المحتملة أمام العراق
في ضوء هذا المشهد، يمكن رصد ثلاثة سيناريوهات أساسية لتعامل العراق مع القرار:
السيناريو الأول: الانخراط الإيجابي. وهو أن تسارع بغداد إلى فتح قنوات دبلوماسية مباشرة مع دمشق لترتيب الملفات الحدودية والأمنية العالقة، خاصة في ما يتعلق بمخيم الهول والمسلحين العراقيين المحتجزين. هذا السيناريو يقتضي تنسيقاً أمنياً رفيع المستوى مع وزارة الدفاع السورية الجديدة، وقد تدعمه واشنطن وطهران معاً لضمان عدم انزلاق الحدود إلى الفوضى.
السيناريو الثاني: الترقب الحذر. وهو المرجح حالياً، حيث تبقى بغداد صامتة حتى تتضح تداعيات القرار ميدانياً، مع مراقبة دقيقة لسلوك الجيش السوري في المناطق الكردية سابقاً، ومدى قدرته على ضبط الأمن. هذا السيناريو يحمل مخاطر تأخير اتخاذ القرارات الحاسمة في ملفات تحتاج إلى معالجة فورية.
السيناريو الثالث: التصعيد غير المباشر. وفي حال شعرت بغداد بأن القرار يهدد مصالحها الأمنية أو يفتح المجال لتغلغل تركي أعمق في مناطق قريبة من الحدود العراقية، قد تلجأ إلى أدواتها غير المباشرة، مثل دعم فصائل معينة في المنطقة، أو التعاون الأمني الانتقائي مع قوى إقليمية لموازنة النفوذ.
لحظة فارقة تتطلب يقظة استراتيجية
إن حل قوات قسد واندماجها في الجيش السوري ليس مجرد إجراء عسكري أو قرار تنظيمي، بل هو إعادة رسم لخريطة النفوذ في شمال شرق سوريا، وامتداداته ستطال حتماً العراق. صمت بغداد الحالي قد يكون تعبيراً عن صدمة استراتيجية، أو عن رغبة في عدم التسرع، لكنه لا يمكن أن يستمر طويلاً. فالعراق، بحكم الجغرافيا والتركيبة الاجتماعية والملفات الأمنية المشتركة، معني بشكل مباشر بما يجري على ضفته الغربية، وسيكون مطالباً في القريب العاجل بموقف واضح وخطط استباقية تضمن أمنه القومي وتحصين جبهته الداخلية من أي ارتدادات لهذا التحول التاريخي.
في نهاية المطاف، قد يكون هذا القرار بداية عهد جديد في سوريا، لكنه في العراق سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على قراءة المتغيرات الإقليمية بواقعية، والتحرك بمرونة تكفل حماية مصالحها في لحظة سيولة استراتيجية نادرة.



