شهدت فرنسا خلال الأيام الماضية موجة احتجاجية طلابية واسعة النطاق، انطلقت من ضواحي العاصمة باريس وامتدت سريعا إلى مدن فرنسية عدة، لتتحول في بعض المناطق إلى مواجهات عنيفة بين محتجين وقوات الأمن، أسفرت عن توقيف المئات وإصابة العشرات، في واحدة من أكبر موجات الاحتجاج الطلابي التي تعرفها البلاد في السنوات الأخيرة.
أعلن وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، في تصريح لقناة “بي إف إم تي في”، أن السلطات أوقفت 440 شخصا في مختلف أنحاء البلاد، معظمهم من القاصرين، مشيرا إلى أن ثلثي الحالات وضعوا قيد الحجز لدى الشرطة. وأوضح الوزير أن المواجهات أسفرت عن إصابة 48 من أفراد قوات الأمن، وذلك بعدما شهدت بعض المناطق إقدام طلاب محتجين على إضرام النار في الحاويات ورشق الشرطة بالمقذوفات.
حالات موثقة ومزاعم
كشف وزير الداخلية عن تسجيل 7 حوادث ألقيت خلالها مادة حمض الهيدروكلوريك على عناصر الشرطة. كما وثقت وسائل إعلام حادثة إصابة طالب يبلغ من العمر 16 عاما في وجهه بقنبلة غاز مسيلة للدموع أطلقها شرطي من مسافة قريبة، ما تسبب في كسر أسنانه الأمامية، وقد فُتح تحقيق في الواقعة وأُحيل إلى المفتشية العامة للشرطة.
دوافع الحراك الطلابي
انطلق الحراك احتجاجا على جملة من المطالب المرتبطة بظروف التعليم، أبرزها:
– الفصول المكتظة التي تعاني منها مؤسسات تعليمية عديدة.
– نقص المدرسين وتأثيره على جودة التعليم.
– تغيب المدرسين المتكرر الذي ينعكس سلبا على التحصيل الدراسي.
– ارتفاع درجات الحرارة داخل الصفوف خلال موجات الحر، في ظل غياب التكييف أو التهوية الكافية.
– سوء البنية التحتية للمدارس، إذ تشير التقارير إلى أن بعض المباني تفتقر للتدفئة الكافية في الشتاء.
موقف الحكومة الفرنسية
رفض وزير الداخلية لوران نونيز أي تبرير للعنف، مؤكدا أنه “لا شيء يبرر الحضور إلى المؤسسات التعليمية للتظاهر بوجوه ملثمة أو مخفية وحمل مقذوفات وانتظار تدخل قوات الأمن لمهاجمتها”.
من جانبه، دان وزير التربية الفرنسي إدوار جيفري أعمال العنف، وكتب في منشور على منصة “إكس” أن “إجراءات قضائية بدأت بشأن هذه الأفعال”، ووصف العنف بأنه “لا يوصف”. وأشار جيفري إلى أن جزءا من العنف يأتي من “أشخاص خارج المؤسسات التعليمية”.
وكان رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو قد وصف تصعيد الاحتجاجات بأنه “غير مسؤول”، وهاجم حزب “فرنسا الأبية” اليساري، متهما إياه بـ“تشجيع هذه التحركات”.
انتشار الاحتجاجات وتأثيرها
بدأت الاحتجاجات في منطقة إيل دو فرانس بضواحي باريس، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى مثل ليل، ليون، غرينوبل، ونيس. ووفقا لوزارة التربية، ارتفع عدد المدارس المتأثرة من 180 مدرسة يوم الاثنين إلى 416 مدرسة يوم الثلاثاء، مع بقاء 338 مدرسة متأثرة في نهاية اليوم، منها 45 مدرسة محاصرة و 46 محاولة حصار.
سياق أوسع: تظاهرات نقابية وموازنة 2027
جاء الحراك الطلابي في موازاة تظاهرات نظمتها نقابات القطاع العام في مختلف أنحاء فرنسا، بهدف الضغط على الحكومة قبل يومين من إعلان مشروع موازنة سنة 2027.
وشارك نحو 300 ألف شخص في التظاهرات بحسب النقابات، من بينهم 30 ألفا في باريس وفق تقديرات الشرطة. وأفادت وزارة الداخلية بأن مشاركة المعلمين في الإضراب بلغت نحو واحد من كل عشرة، فيما نفذ آلاف من عناصر الإطفاء تحركا احتجاجيا في باريس.
تكشف حصيلة الإصابات عن فجوة واضحة بين الأرقام الرسمية والمزاعم المتداولة. فبينما تعلن السلطات عن 48 إصابة في صفوف قوات الأمن و 31 إصابة في صفوف الطلاب والكادر التعليمي كحصيلة رسمية، تبقى حصيلة الإصابات في صفوف المحتجين غير مكتملة، مع تسجيل حالات إصابة موثقة لم تدخل بالضرورة في الإحصاءات الرسمية.
يُلاحظ أن 48 من قوات الأمن يمثل الرقم الوحيد الذي تكرر تأكيده في مصادر متعددة. أما حصيلة الإصابات في صفوف الطلاب، فقد تدرجت من 27 مصابا يوم الاثنين إلى 31 مصابا يوم الثلاثاء، وفق بيانات وزارة التربية. هذا التدرج يعكس صعوبة الحصول على حصيلة نهائية موحدة في ظل استمرار التوتر.
كما أن حادثة إطلاق قنبلة الغاز من مسافة قريبة على طالب، والتي أحيلت إلى المفتشية العامة للشرطة، تثير تساؤلات حول مدى تناسب استخدام القوة مع طبيعة الاحتجاجات الطلابية، وهو ما يعزز الحاجة إلى مصادر مستقلة للتحقق من الأرقام الرسمية.



