• Home  
  • السلام على مفترق طرق تاريخي: هل تلتقط أنقرة اللحظة قبل أن تتلاشى؟
- تقارير دولية

السلام على مفترق طرق تاريخي: هل تلتقط أنقرة اللحظة قبل أن تتلاشى؟

شواهد كثيرة تركها التاريخ على طرق السلام الطويلة، وتجارب ولدت من واقع مرير دفعت الشعوب ثمنها قبل أن تدرك أن نهاية الحرب لا تعني بالضرورة ولادة السلام. اليوم يعود المشهد من جزيرة إمرالي التركية، حيث يمضي مسار السلام وسط مطبات ثقيلة بعد عقود من الصراع، وخطوات غير مسبوقة اتخذها حزب العمال الكردستاني باتجاه إنهاء النضال […]

شواهد كثيرة تركها التاريخ على طرق السلام الطويلة، وتجارب ولدت من واقع مرير دفعت الشعوب ثمنها قبل أن تدرك أن نهاية الحرب لا تعني بالضرورة ولادة السلام. اليوم يعود المشهد من جزيرة إمرالي التركية، حيث يمضي مسار السلام وسط مطبات ثقيلة بعد عقود من الصراع، وخطوات غير مسبوقة اتخذها حزب العمال الكردستاني باتجاه إنهاء النضال المسلح.

احتاجت إيرلندا الشمالية سنوات من الدم والمفاوضات قبل الوصول إلى اتفاق الجمعة العظيمة، فيما عاشت جنوب أفريقيا تجربة أخرى حين خرج نيلسون مانديلا من السجن عام 1990، من دون أن تختفي آثار عقود من الصراع بمجرد فتح باب زنزانته. كانت المهمة الأصعب تنتظره في الخارج: البحث عن صيغة تجمع خصوماً عاشوا سنوات طويلة على طرفي مواجهة واحدة. وقد اختصر مانديلا فلسفة تلك المرحلة بقوله: “لصنع السلام مع عدو عليك أن تعمل معه، وعندها يصبح شريكك”.

تختلف التجارب والظروف، وتبقى قاعدة السلام واحدة: إسكات البنادق يوقف صوت الحرب، لكنه لا يعالج وحده ما صنعها، لأن مهمة السياسة تبدأ بعد هدوء الميدان. وهنا تحضر مقولة مارتن لوثر كينغ: “السلام الحقيقي ليس غياب التوتر، بل حضور العدالة” — عبارة تختصر المسافة بين توقف القتال وبناء سلام قادر على الحياة.

تقف تركيا اليوم عند هذه المسافة، بعدما دخلت “عملية السلام” مرحلة تاريخية أعادت ملفاً عمره عقود من الجبال إلى طاولة السياسة. فقد دعا عبد الله أوجلان إلى حل حزب العمال الكردستاني وإنهاء النضال المسلح والانتقال إلى النضال السياسي الديمقراطي، واستجاب الحزب بإعلان وقف إطلاق النار، ثم قرار حل نفسه، وصولاً إلى مشهد إحراق مجموعة من مقاتليه أسلحتهم في مراسم رمزية في إقليم كردستان.

هذه الخطوات دفعت العملية إلى مرحلة مختلفة، وأصبح الحديث يدور حول ما يأتي بعد السلاح. ومن هذا المنطلق، حددت قيادة منظومة المجتمع الكردستاني ملامح المرحلة المقبلة: الحرية الجسدية لعبد الله أوجلان، وتثبيت الحقوق في القوانين، وتوفير الضمانات القانونية، وفتح الطريق أمام ممارسة العمل السياسي. فالوصول إلى نهاية فعلية للسلاح — بحسب هذه الرؤية — يحتاج إلى أرضية قانونية تضمن الانتقال إلى السياسة وتمنح العملية أساساً قادراً على الاستمرار.

قطع حزب العمال الكردستاني خلال فترة قصيرة خطوات كان الوصول إليها يبدو بعيداً قبل سنوات. حزب خاض مواجهة مسلحة لأجل الحقوق لعقود أعلن حل نفسه، ومقاتلون ظهروا أمام الكاميرات وهم يحرقون أسلحتهم، وأوجلان وضع ثقله خلف مسار ينقل القضية من النضال المسلح إلى النضال السياسي. هذا التحول نقل مركز الثقل تدريجياً من الجبال إلى أنقرة، وأصبحت التشريعات والضمانات السياسية جزءاً أساسياً من مستقبل العملية.

غير أن ملفات أساسية لا تزال حاضرة في مطالب الحركة، وفي مقدمتها وضع أوجلان، والضمانات القانونية، ومستقبل العمل السياسي، والحقوق المطلوب تثبيتها في القوانين. هنا يظهر الفارق بين إيقاف المواجهة وبناء السلام؛ لأن الأولى تحتاج قراراً من المقاتلين، والثانية تحتاج دولة وقوانين ومؤسسات قادرة على استيعاب التحول. فالمقاتل الذي يغادر الجبل يحتاج إلى طريق واضح للعودة، والسياسي الذي يترك البندقية يحتاج إلى مساحة للعمل داخل المجتمع، والمجتمع الذي عاش عقوداً تحت وطأة الصراع يحتاج إلى ضمانات تمنع تكرار أسبابه.

السلام في تركيا قطع مسافة مهمة عندما أصبح التخلي عن السلاح خياراً مطروحاً بعد عقود من القتال، والمسافة المتبقية تمر اليوم عبر البرلمان والقانون ومؤسسات الدولة وقدرتها على تحويل ما بدأ في الجبال إلى مسار سياسي يستوعب مرحلة ما بعد السلاح. ولهذا ينتقل جانب كبير من اختبار المرحلة المقبلة إلى أنقرة ومؤسساتها: الخطوة الكردية وضعت السلاح على الطاولة، والخطوة التركية المنتظرة تتعلق بالقانون والسياسة والضمانات. واستمرار المسافة بين الاثنين يهدد بتحويل فرصة تاريخية إلى محطة أخرى تُضاف إلى محاولات سلام بدأت كبيرة وانتهت عند أول أزمة ثقة. تركيا أمام فرصة ربما تكون من أثقل فرصها منذ بداية الصراع؛ والتعامل معها بمنطق أمني وحده يعيد القضية إلى المربع الذي خرجت منه، أما تحويلها إلى مسار سياسي وقانوني فيمنح ما حدث في الجبال معنى يتجاوز صورة إحراق البنادق.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026