في خطوة تحمل دلالات أعمق من ظاهرها التنظيمي، ألغت هيئة تنظيم ومراقبة المصارف التركية ترخيص تشغيل فرع بنك “ملت” الإيراني في إسطنبول، بموجب قرار نُشر في الجريدة الرسمية التركية، دون أن يُدرج القرار أي أسباب صريحة لإلغاء الترخيص. وبذلك تُطوى صفحة أحد أبرز القنوات المالية التي استخدمتها طهران للالتفاف على العقوبات الأميركية عبر الأراضي التركية.
استند القرار — وفق نصه المنشور — إلى بند في قانون البنوك التركي يمنح الجهة التنظيمية صلاحية سحب أو إلغاء ترخيص أي بنك إذا رأت أن استمرار نشاطه يشكل خطراً على حقوق المودعين أو على أمن واستقرار النظام المالي. وهذا الأساس القانوني، وإن جاء عاماً في صياغته، يمنح القرار شرعية إجرائية كاملة، لكنه يترك الباب مفتوحاً لتفسيرات سياسية واقتصادية متعددة.
يأتي هذا القرار بعد نحو أسبوعين فقط من فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مصرف “غولدن غلوبل” التركي، للاشتباه في وجود صلات له بالحرس الثوري الإيراني، في إطار حملة واشنطن المتصاعدة لتشديد الضغوط الاقتصادية على طهران. ولم تقتصر الإجراءات الأميركية على القطاع المصرفي، إذ فرضت الوزارة في وقت سابق من الشهر عقوبات على بنك استثماري تركي صغير وشركتين تابعتين له.
يتجاوز المشهد البنكي إلى ملفات أخرى موازية. فقد أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن تركيا وسلطنة عُمان قررتا وقف رحلات شركة الطيران الإيرانية “ماهان إير” إلى البلدين، عقب مناقشات مع الحكومتين بشأن الامتثال للإجراءات الأميركية المفروضة على إيران. ويُعد هذا التطور مؤشراً على أن واشنطن لم تعد تكتفي بملاحقة الكيانات المالية، بل توسّع نطاق ضغوطها ليشمل قطاعات النقل والخدمات اللوجستية.
يشير تسلسل الأحداث — عقوبات على بنك تركي، ثم إلغاء ترخيص فرع بنك إيراني، ثم وقف رحلات “ماهان إير” — إلى وجود تنسيق متزايد بين أنقرة وواشنطن في ملف الامتثال للعقوبات، وإن جاء بصيغة تجنّب الإعلان الصريح. وتجد تركيا نفسها أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على مصالحها الاقتصادية والتجارية مع الجار الإيراني، في مقابل تفادي تكلفة تصنيفها كبيئة مالية غير ممتثلة قد تُعرّض بنوكها لعقوبات ثانوية.
إن إلغاء ترخيص فرع بنك “ملت” في إسطنبول ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل حلقة في سلسلة متصاعدة تعيد رسم خريطة التمويل الإيراني في المنطقة. فمع إغلاق القنوات المصرفية التقليدية، وتقييد حركة الطيران، تضيق المساحة المتاحة لطهران للالتفاف على العقوبات. ويبقى السؤال: هل تنجح هذه الضغوط المتداخلة في تغيير سلوك طهران، أم تدفعها نحو قنوات بديلة أقل شفافية وأكثر تعقيداً؟



