• Home  
  • أين يقف العراق من وعوده؟
- أخبار

أين يقف العراق من وعوده؟

صبحي البدري – رئيس التحرير عندما يعود رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن للمرة الثانية، فإنه لا يحمل معه ملفاً تفاوضياً عادياً، بل سلة من الأزمات المتشابكة التي تختبر قدرة بغداد على المناورة بين قطبين إقليميين ودوليين لا يمنحان هامشاً واسعاً للحياد. الزيارة الثانية تحمل أسئلة ثقيلة: هل هي محاولة لتأجيل موعد تسليم السلاح؟ […]

صبحي البدري – رئيس التحرير

عندما يعود رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن للمرة الثانية، فإنه لا يحمل معه ملفاً تفاوضياً عادياً، بل سلة من الأزمات المتشابكة التي تختبر قدرة بغداد على المناورة بين قطبين إقليميين ودوليين لا يمنحان هامشاً واسعاً للحياد. الزيارة الثانية تحمل أسئلة ثقيلة: هل هي محاولة لتأجيل موعد تسليم السلاح؟ وما الثمن الذي قد يدفعه العراق إذا فشل في الالتزام بجدول الانسحاب وتنظيم الفصائل المسلحة؟

اختار العراق تاريخ الثلاثين من أيلول موعداً نهائياً لإنهاء مهام التحالف الدولي، وهو موعد وُصف بأنه “نقطة تحول استراتيجية” و”نهائي وغير قابل للتراجع”. ووفق تصريحات المسؤولين العراقيين، فإن اكتمال الانسحاب سيُسقط أي مبرر لوجود السلاح خارج إطار الدولة، ويمنح المؤسسات غطاءً قانونياً لملاحقة الجريمة وتجريد السلاح غير الرسمي. لكن السؤال المحرج: ماذا بعد الثلاثين من أيلول إذا لم تكتمل هذه الوعود؟

لم تنتظر واشنطن موعد الانسحاب لترفع سقف ضغوطها. فقد جمّدت نحو نصف مليار دولار من الأموال العراقية المودعة في بنوك نيويورك، وعلّقت شحنات الدولار وبرامج التعاون الأمني، في إطار ضغوطها لتفكيك الفصائل المدعومة من إيران. كما فرضت عقوبات على مسؤول نفطي عراقي رفيع وقيادات في فصائل متهمة بتحويل عائدات النفط لدعم “الإرهاب”. الرسالة الأمريكية واضحة: الانسحاب العسكري لا يعني غياب الضغط، بل انتقاله إلى الأدوات المالية والاقتصادية.

في المقابل، لا تبدو إيران مستعدة للتخلي عن ورقتها العسكرية في العراق. كشفت مصادر أن قائد فيلق القدس إسماعيل قآني طلب من الفصائل عدم تسليم سلاحها، مع تحذيرها من الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع الحكومة. وتعمل طهران على “الدمج التكتيكي” عبر إعادة توصيف سلاح الفصائل ودمجه ضمن مؤسسات الدولة، بدلاً من تسليمه ونزعه بالكامل، مع مقترحات لتجميد ملف الأسلحة الثقيلة أو نقل جزء منها إلى إيران. هذه المناورة تحوّل معركة نزع السلاح إلى نقاش حول “التنظيم” — وهو ما قد يمنح طهران هامشاً للحفاظ على جزء من نفوذها.

على الصعيد الداخلي، أعلن الزيدي مراراً “المضي في مكافحة الفساد” و”عدم وجود خطوط حمراء”. لكن التحدي البنيوي يبقى قائماً: نظام المحاصصة (المحاصصة) الذي يوزع الوزارات والوظائف والعقود كمكافآت حزبية، ما يحوّل الموارد العامة إلى أدوات لتمويل الأحزاب وحماية النخب. وحتى مع اعتقال مسؤولين كبار، يرى محللون أن المشكلة ليست غياب المؤسسات الرقابية، بل ضعفها وتسيسها وتفاوت تطبيقها. إذا لم يتمكن الزيدي من كسر سيطرة الأحزاب على الدولة، فإن وعوده بمكافحة الفساد قد تبقى في دائرة الشعارات.

يقف الزيدي اليوم أمام معادلة ضيقة: واشنطن تطالب بتنفيذ حقيقي لتفكيك الفصائل، وطهران تدفع للاحتفاظ بورقتها العسكرية، والفصائل ترفع سقف شروطها. وفي الوقت ذاته، يواجه العراق أزمة مالية محتملة مع تجميد الأموال وتقلص إيرادات النفط بسبب إغلاق مضيق هرمز. أمام هذه الحلقة الأضيق، لا يملك الزيدي ترف التأجيل. إما أن يتحول الثلاثون من أيلول إلى نقطة انطلاق نحو سيادة فعلية، أو أن يتحول إلى موعد جديد لتأجيل المواعيد — وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

وللخروج من عنق الزجاجة هذه، لا بدّ من البحث عن حلول مجتمعية دائمة تمنح الانسان بصيصاً من الأمل في وقت بات الأمل بحد ذاته، عامل يأس من الوعود الخلابية التي لا ترى النور. ومن هذه النقطة عملية بناء الأمل بحد ذاتها تعتبر خطوة في استعادة ثقة الانسان العراقي، كي يؤمن على الأقل أن ثمة تغيير في المستقبل، وإلا أن الدوران في حلقة الوعود ستستمر من دون نتائج.

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026