لم تعد أرقام العنف ضد النساء في إقليم كردستان مجرد إحصاءات عابرة، بل تحوّلت إلى مؤشر على أزمة بنيوية تحتاج إلى معالجة قانونية ومجتمعية شاملة. فوفق إحصائية شهرية موثقة، فقدت 48 امرأة حياتهن في الإقليم خلال الأشهر الثمانية الماضية، بينهن 21 امرأة قُتلن، فيما توفيت 27 أخريات في ظروف وصفت بالمشبوهة. هذه الأرقام دفعت إلى تصاعد الدعوات لتفعيل القوانين القائمة ومواجهة ظاهرة قتل النساء بوصفها خطراً يهدد نسيج المجتمع بأكمله.
يحذر مراقبون من أن إحالة جرائم قتل النساء إلى ما يسمى “المشكلات الأسرية” تسهم في التقليل من خطورة الجريمة، وتخفف من مسؤولية مرتكبيها، ما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب. وتشير قراءات متعددة إلى أن خلفيات اجتماعية ودينية وثقافية قائمة على العقلية الذكورية أسهمت في ترسيخ نظرة إلى المرأة باعتبارها ملكية خاصة، وهو ما يجعل العنف الممارس ضدها مقبولاً أو مسكوتاً عنه في بعض البيئات.
من أبرز المفارقات في هذا الملف أن إقليم كردستان يمتلك ترسانة قانونية قادرة — إذا طُبقت بصرامة — على الحد من هذه الجرائم. فالمشكلة ليست في غياب النصوص التشريعية، بل في ضعف التطبيق وتباطؤ المحاسبة. ويؤكد مختصون أن معاقبة مرتكبي جرائم القتل بشكل رادع يشكل الخطوة الأكثر فاعلية لكسر حلقة التكرار، إذ إن غياب العقاب يشجع على ارتكاب مزيد من الجرائم تحت ذرائع واهية.
في هذا السياق، تبرز دعوات إلى توسيع دائرة المسؤولية لتشمل المؤسسات الرسمية وأفراد المجتمع كافة، لا النساء والمنظمات النسوية فحسب. ويشدد دعاة هذه الحملات على أن الرجال مطالبون بموقف مسؤول ورفض صريح لجميع أشكال العنف ضد النساء، بدلاً من الالتزام بالصمت أو التبرير.
ينتقد ناشطون حصر حملات مناهضة العنف ضد النساء في مناسبات محددة، مثل 25 تشرين الثاني و8 آذار، معتبرين أن التوعية يجب أن تكون جهداً مستمراً يخاطب الرجال والمجتمع على مدار العام. كما تُطرح ملاحظات على أداء بعض المنظمات النسوية التي ابتعدت عن أدوارها الأساسية، وبات بعضها مرتبطاً بعدد محدود من الأشخاص، في حين يفترض أن تتركز مهمتها على التوعية المجتمعية الواسعة بدلاً من الاكتفاء بتنظيم الندوات الموسمية.
مواجهة قتل النساء في كردستان تتطلب مقاربة متكاملة تجمع بين تفعيل القانون ومحاسبة الجناة، وحملات توعية مستمرة تستهدف الرجال والمجتمع، وإعادة إحياء الدور التاريخي للمنظمات النسوية في معالجة قضايا المرأة. فالأرقام المروعة للأشهر الثمانية الماضية ليست مجرد مأساة فردية، بل اختبار حقيقي لقدرة الإقليم على حماية نصف مجتمعه وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب.



