• Home  
  • فوز تاريخي لليمين المتطرف يهزّ أوروبا وباريس تحذّر من “لحظة خطيرة”
- تقارير دولية

فوز تاريخي لليمين المتطرف يهزّ أوروبا وباريس تحذّر من “لحظة خطيرة”

في تطور سياسي غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف فوزاً ساحقاً في الانتخابات البرلمانية لولاية ساكسونيا أنهالت شرقي ألمانيا، مما أثار موجة من القلق والتحذيرات على المستويين الألماني والأوروبي. وقد وصف الوزير الفرنسي المنتدب المكلف بشؤون أوروبا، بنجامان حداد، هذا الفوز بأنه “لحظة خطيرة” لأوروبا، داعياً […]

في تطور سياسي غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حقق حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف فوزاً ساحقاً في الانتخابات البرلمانية لولاية ساكسونيا أنهالت شرقي ألمانيا، مما أثار موجة من القلق والتحذيرات على المستويين الألماني والأوروبي. وقد وصف الوزير الفرنسي المنتدب المكلف بشؤون أوروبا، بنجامان حداد، هذا الفوز بأنه “لحظة خطيرة” لأوروبا، داعياً إلى الإصغاء لمخاوف الناخبين والاستجابة لها بجدية.

وفقاً للنتائج الأولية التي أعلنتها هيئتا “إيه آر دي” و”زد دي إف”، حصد حزب “البديل من أجل ألمانيا” نحو 43.8% من أصوات الناخبين، محققاً بذلك أفضل نتيجة له على الإطلاق في انتخابات برلمانية إقليمية، ومضاعفاً نتيجته مقارنة بانتخابات عام 2021. ويُعد هذا الرقم الأعلى الذي يحققه أي حزب في انتخابات برلمانية إقليمية في ألمانيا خلال العقد الماضي.

في المقابل، تكبّد حزب “الاتحاد المسيحي الديمقراطي” المحافظ، بزعامة المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس، هزيمة قاسية، إذ تراجع إلى المرتبة الثانية بنسبة 17.2% فقط، مسجلاً أسوأ نتيجة له في تاريخ الولاية. وجاءت النتائج الكارثية للحزب المحافظ لتضع ضغوطاً متزايدة على المستشار ميرتس، الذي كان قد تعهد سابقاً بالحد من صعود اليمين المتطرف.

وحلت الأحزاب الأخرى على النحو التالي: الحزب الاشتراكي الديمقراطي بنسبة 9.3%، وحزب الخضر بنسبة 8.9% محققاً أفضل نتيجة له في الولاية، وحزب اليسار بنسبة 8.6%، بينما فشل الحزب الديمقراطي الحر في تجاوز عتبة الخمسة في المئة بحصوله على 2.6% فقط. وتمكن تحالف “سارة فاغنكنخت” (BSW) من دخول البرلمان الولائي بفارق ضئيل بنسبة 5.3%.

وسجلت الانتخابات مشاركة قياسية بلغت 77.8%، بزيادة قدرها نحو 18 نقطة مئوية مقارنة بانتخابات عام 2021 التي شهدت مشاركة 60.3% فقط.

التحذير الفرنسي وتداعياته الأوروبية

لم يقتصر صدى هذه النتائج على ألمانيا، بل امتد ليشمل العواصم الأوروبية الرئيسية. فقد أعرب بنجامان حداد، الوزير الفرنسي المنتدب المكلف بشؤون أوروبا، عن قلقه العميق من هذا التطور، وكتب عبر منصة “إكس”: “إنها لحظة خطيرة في أوروبا؛ أن نرى اليمين المتطرف يفوز في انتخابات إقليمية في ألمانيا”.

وأضاف حداد: “علينا أن نصغي بتواضع إلى الغضب والمخاوف والهواجس، وأن نستجيب لها”، مؤكداً في الوقت ذاته أن “القومية وكراهية الأجانب لن تكونا الحل أبداً”. وأشار الوزير الفرنسي إلى التاريخ المشترك لبلاده وألمانيا قائلاً: “لا يمكننا أن ننسى تاريخنا. هذا هو المغزى من الخيارات التي اتخذتها فرنسا وألمانيا”.

ويعكس هذا الموقف الفرنسي قلقاً أوروبياً أوسع من تصاعد المد الشعبوي واليميني المتطرف في القارة، لا سيما في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية المتزايدة التي تواجه دول الاتحاد الأوروبي.

صمت اليمين الفرنسي: حسابات انتخابية

في تباين لافت، التزمت مارين لوبن، زعيمة “التجمع الوطني” الفرنسي اليميني المتطرف، الصمت تجاه هذا الفوز التاريخي لحليفها الأيديولوجي السابق. وقد أرجعت التحليلات هذا الصمت إلى حسابات انتخابية تتعلق بسباق الرئاسة الفرنسية المقرر عام 2027، حيث تخشى لوبن من أن يؤدي الارتباط الوثيق بحزب “البديل من أجل ألمانيا” إلى الإضرار بجهودها لتقديم حزبها كقوة سياسية “معتدلة وقابلة للحكم”.

ترحيب دولي من التيارات القومية

على الجانب الآخر، قوبل هذا الفوز بترحيب واسع من قادة اليمين القومي في أوروبا والولايات المتحدة. فقد أعرب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن دعمه لهذا التطور عبر منصة “تروث سوشيال”، قائلاً: “واو! حزب الشعبوية الألماني قضى ليلة رائعة للغاية. لقد سئموا أخيراً من قوانين الهجرة السيئة التي ألحقت أضراراً جسيمة بألمانيا. إنهم يصعدون ولم يعودوا صامتين! لنجعل ألمانيا عظيمة مرة أخرى!!!”.

أزمة تشكيل الحكومة

رغم الفوز الساحق، واجه حزب “البديل من أجل ألمانيا” عقبة كبيرة تتمثل في عدم حصوله على الأغلبية المطلقة المطلوبة لتشكيل الحكومة منفرداً. فقد حصد الحزب 39 مقعداً فقط من أصل 83 مقعداً في البرلمان الولائي، بينما تتطلب الأغلبية 42 مقعداً.

وتعقدت مشهد تشكيل الحكومة بشكل أكبر بعد دخول تحالف “سارة فاغنكنخت” إلى البرلمان، مما حال دون إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية من الأحزاب التقليدية (الاتحاد المسيحي الديمقراطي، والاشتراكي الديمقراطي، والخضر، واليسار) التي تجمعها 39 مقعداً فقط.

ويبدو أن تحالف “سارة فاغنكنخت” يلعب دوراً محورياً في هذه المعادلة، إذ إنه الطرف الوحيد الذي أبدى انفتاحاً على الحوار مع “البديل من أجل ألمانيا”. وقد صرح المرشح الرئيسي للتحالف، توماس شولتسه، بأنه مستعد للحوار مع جميع الأطراف بما فيها حزب “البديل”، مشيراً إلى وجود “قواسم مشتركة” في قضايا تتعلق بالطاقة وتخفيف العقوبات على روسيا.

جذور الصعود وأسبابه

تشير تحليلات استطلاعات الرأي التي أجراها معهد “إنفراتست دي ماب” إلى أن قضية الهجرة لم تكن العامل الحاسم في تصويت الناخبين، بل جاءت قضايا الضمان الاجتماعي والسلام في أوروبا والسياسة الاقتصادية في المقدمة. ويُلاحظ أن ولاية ساكسونيا أنهالت تُعد من بين الولايات الأقل استقبالاً للمهاجرين في ألمانيا، إذ تبلغ نسبة الأجانب فيها نحو 9% فقط، مقارنة بمتوسط وطني يبلغ حوالي 15%.

وقد أسهم الاستياء الشعبي من أداء الحكومة الاتحادية بقيادة المستشار ميرتس في تعزيز موقع “البديل”، إذ قال 59% من المستطلعين إنهم أرادوا توجيه رسالة تحذيرية إلى الحكومة الاتحادية، وكان الاتحاد المسيحي الديمقراطي هو الأكثر تعرضاً لهذا الغضب.

يمثل هذا الفوز التاريخي لحزب “البديل من أجل ألمانيا” نقطة تحول مفصلية في المشهد السياسي الألماني والأوروبي. فبينما يحتفل مؤيدو الحزب بإنجاز غير مسبوق، يحذر المراقبون من تداعيات هذا الصعود على استقرار ألمانيا ودورها في الاتحاد الأوروبي. وتُظهر ردود الفعل المتباينة بين باريس وبرلين وواشنطن عمق الانقسام الذي يعصف بالمشهد السياسي الغربي. ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يستطيع النظام السياسي الألماني احتواء هذا المد المتصاعد، أم أن هذه الانتخابات تشكل بداية حقبة جديدة من عدم الاستقرار السياسي في قلب أوروبا؟

About The Author

المُبادرة

منبر إعلامي مستقل يُطلق شعاره الطموح: “نبدأ حيث يتوقف الآخرون”. هذا الشعار ليس مجرد كلمة، بل هو منهج عمل ورؤية تتجاوز حدود النقل والتغطية إلى الفعل والمشاركة الفاعلة

تواصل مَعَنا بشكل مباشر:

+964 772 761 7317
E_mail: info@al-mobadara.com

أحدث المقالات

جميع الحقوق محفوظة لــ جريدة المُبادرة 2026